صلوات قلب يسوع الأقدس

 

اليوم الأول

 

تأمل في عبادة قلب يسوع الأقدس

 

 حينما نذكر قلب يسوع فإننا نذكر محبَتَه. فالقلب هو مركز المحبة وهذه المحبة تَصِف له عظمةَ الحب الإلهي للجنس البشري. إنّ هذا الحب هو الذي جعل يسوع ـ الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس ـ أنْ تجسّدَ من العذراء مريم، وأصبح واحداً منا ووُلِدَ من أجلِنا ليرسِمَ لنا طريقَ الله، فهو الطريق والحق والحياة (يو 6:14). ولِدَ في مغارة بيت لحم ليعلِّمَنا عَظَمَةَ التواضع، وغِنى الفقر، وبساطةَ الحياة التي تقود إلى السماء. وقَبْلَ موتِهِ وقيامتِهِ رسم لنا سرَّ الافخارستيا المقدس ليغذّينا من جسدِه ودمِه، وحبُّه جعلَه يُرسِل لنا المعزّي ليكون معنا في هذه الحياة الفانية لنواصلَ رسالةَ المحبة التي زرعها في قلوبِ عِبادِه.

          نعم، هكذا أحبَّ يسوع البشر، أحبَّهم محبةً لا توصف، ومتّى الإنجيلي يقول:"ما مِنْ حُبٍّ أعظمُ من هذا، أنْ يبذُلَ الإنسان نفسَه عن أحبائه" (يو 13:15). فقد أحبَّ والدَيه مريم ويوسف وخضعَ لهما في الناصرة، سار في طريق الجليل وأورشليم مُعْلِناً ملكوت الله فشفى المرضى وأقام الموتى وطهّر البُرص وفتح أعين العميان، فكان السامريُّ الصالح وكان الأبُ الرحيم، وأشفق على الجموع، وبارك الأطفال، وغفر خطايا المجدلية، وقَبِلَ زكّا والعشّار، وسقى السامريةَ ماء الحياة، وعلّم الشعب بأمثالٍ كثيرة… ومحبتُه هذه جعلته يختار أضعفَ الناس وأبسطَهم ليكونوا له رسلاً يُعلنون البشارة الإنجيلية في أقاصي المسكونة لكي يَخلُص جميع الناس على يدِه (مر 16:16). فكم هو حَريٌّ بنا ونحن في هذا الشهر المقدس أنْ نُدرِك عظمة المحبة التي أحبنا بها الله ونواصل رسالةَ المحبة عبر البشر الذين نعيش معهم.

 

خبر

          القلب هو رمزُ الحب لدى جميع الشعوب، وفيه تختلجُ فعلاً مشاعر النفس. والقلب هو ما يتمسّك به الإنسان أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، ويسوع يقدِّمُ لنا قلبَه عندما يكلِّمُنا عن حبِّه. فالقلب هو مركز عمل محبته… هكذا هي القديسة فيرونيكا جولياني، راهبةٌ من بنات القديس فرنسيس الأسيزي، فقد طُعِنَ قلبُها كما طُعِنَ قلبُ يسوع على الصليب، قالت:"نزلتُ ليلةَ الميلاد سنة 1696 إلى المغارة ورأيتُ فجأةً الطفلَ يسوع بذاتِهِ متألِّقاً ولم يَعُدْ شخصاً، طرتُ فرحاً فأخذتُهُ وضَمَمْتُهُ إلى صدري واستحلَفْتُهُ بأنْ يأخذ قلبي، فانخَطَفْتُ بالروح. وأمسكَ يسوع عصا من ذهبٍ كان رأسُها لهيباً وذيلُها حربةً من حديدٍ ووضع اللهيبَ على قلبِهِ والحربةَ على قلبي وبلحظةٍ سريعةٍ اخترقَ قلبي من جهةٍ إلى أخرى، ولما عدتُ إلى ذاتي شعرتُ بألمٍ حادٍ في القلب فوضعتُ قطعةَ قماشٍ على الموضع وسحبتُها فإذا هي مصبوغةٌ بالدم". ومن حينِها كرَّسَتْ للقلبِ الإلهي ذاتَها إذ قالت:"إنَّ الذين يحبّون ليس لهم ملجأ سوى قلب يسوع فهو الذي قال: تعالوا إلى هذا القلب، تعالوا إلى ينبوع المحبة". ومن يومِها أخذت تُعلن وتُعمِّم عبادة قلب يسوع الأقدس لأنها كانت ترى أنّ نفوساً كثيرة ترتاح في هذا القلب الإلهي… فلنبادرْ نحن أيضاً في بدء شهر تكريم قلب يسوع، أن نذيعَ حبَّه للبشر وأنَّ لا راحة حقيقية إلاّ في قلبِهِ الإلهي.

 

إكـــرام

لا تنسَ أنْ تزرعَ بِذارَ المحبة والوئام أينما تكون، فلا شيء أعظمُ من أن تكون رجلَ محبةٍ، فالله قال لنا "إنه محبة".

 

نافـــذة

إني وجدتُ قلبَ خليلي اللطيف يسوعَ المحبوب


اليوم الثاني

تأمل في أصل عبادة شهر قلب يسوع الأقدس

 

          كان في أحد أديرة راهباتِ القديس أوغسطينوس في باريس تلميذةٌ تدعى "آنجيل دي لاسانت كروا" تحدّثتْ إلى رئيستِها، جيروم، يوماً عن شوقِها الكبير للانخراط في أخوية السيدة العذراء فقالت لها الرئيسة:"إنّ أفضل الوسائل لاستمالة قلب مريم يا آنجيل هي بلا شك أنْ تقدّمي الإكرام اللازم لقلب ابنِها يسوع"، فأجابت آنجيل:"نعم، وذلك ما دعاني أنْ أقدّم عبادةً لقلب ابنِها الطاهر"، وقالت أيضاً:"في هذا الصباح وبعد مشاركتي في القداس الإلهي وتناول   جسدَ الرب تساءلتُ: لماذا لا نخصّص شهراً كاملاً لتكريم قلب يسوع أسوةً بالشهر المريمي ؟".

          فسُرَّتِ الرئيسةُ لهذه الفكرة وحبّذتها، وعرضتْها على الرئيسة العامة للسماح بممارسة هذه العبادة في الدير بعد حصول تصريح بها من السلطة الكنسية العليا. وفي هذه الأثناء عَمِلَتْ آنجيل دي لاسانت كروا على إعداد بعض القراءات والصلوات إكراماً لقلب يسوع على مثال ما جاء في كتب الشهر المريمي… وهكذا نالت الرئيسة العامة تصريحاً بحرية ممارسة هذه العبادة وكان ذلك في 29 أيار سنة 1833. حيث دُعي رئيس أساقفة باريس المطران دي كيلن آنذاك لإقامة الذبيحة الإلهية وأعلن خلال الذبيحة موافقته على إقامة صلوات لتكريم قلب يسوع الأقدس على نية ارتداد الخطأة وخلاص النفوس، فقوبِلَ كلامُه بالتهليل والتصفيق وأخذ على عاتقه ترتيب الممارسات التقوية لقلب يسوع فأخذ يتلو هو أيضاً كل صباح بعد القداس فعل التكريس لقلب يسوع الأقدس ثم زاد على ذلك قراءة روحية بسيطة وترنيمة مع هاتين النافذتين "يا قلب يسوع الأقدس كن حبي… يا قلب مريم الطاهر كن خلاصي".

وهكذا ابتدأتِ الأخوات في الدير بتلاوة صلوات شهر قلب يسوع الأقدس ونشطت الغيرة في نشر هذه العبادة من الدير إلى كنائس أخرى ومن مدينة إلى أخرى، حتى أصبح اليوم العالم كلُّه أشبه بهيكلٍ عظيم تُذاع فيه يومياً في أثناء هذا الشهر المبارك عظائمُ قلب يسوع وحنانُهُ نحو البشر، وذلك بفضل تلك الابنة آنجيل دي لاسانت كروا التي ترهبت فيما بعد في دير الزيارة بمدينة رينس بفرنسا.

خبـــر

كتبت القديسة فرانسيسكا في مذكراتها تقول: إنها رأت جرحَ قلب يسوع الأقدس وكان يجري منه    ينبوعُ ماءٍ حي، وسَمِعَتْ كلمات تقول:"إني أنا هو الحب الذي يدعو: مَن كان عطشاناً فليأتِ إليَّ ويشربْ مني فإني أروي وأُنعش الجياعَ والعطاشَ إلى البِر، فقد فتحتُ قلبي ليكونَ مأوى لكل مَن يقدّم إكراماً لحب الآب الأزلي من خلال عبادة قلبي الأقدس".

 

إكـــرام

عرِّف الناسَ الذين حواليكَ بعظمة وفائدة صلوات الإكرام لقلب يسوع الأقدس… فأنتَ   رسولٌ لنشرِ هذه العبادة.

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس إني واثقٌ بكَ


 

اليوم الثالث

تأمل في اسم يسوع

 

إنّ اسم يسوع، كما يقول بولس الرسول:"هو الذي يفوقُ كلَّ اسمٍ وله تجثو كلُّ ركبةٍ مما في السماوات ومما على الأرض وتحت الأرض" (فيلبي 9:2-10)، وهو الاسم الذي تكمنُ فيه كلُّ معاني القداسة إذ أنبأ عنه جبرائيل الملاك يومَ بشارتِه للعذراء "سيكونُ عظيماً وابنَ العليِّ يُدعى وسيعطيه الربُّ الإله عَرشَ داود أبيه ويملُك على آلِ يعقوب إلى الأبد ولا يكون لمُلكِه انقضاء" (لو 32:1-33).

نعم، إنّ بين البشر أسماءٌ لامعة وربّما تُبهِرُ الأبصار، ولكن اسم يسوع الذي تفسيرُهُ المخلّص فهو يشير إشارةً صريحة إلى المعاني الإلهية التي يحمِلُها فهو عمانوئيل _ أي الله معنا _ وهو المسيح الفادي "إذ لا اسم آخر تحت السماء ممنوحاً للناس به ينبغي أنْ نَخلُصْ" (أع 12:4). إنه الإله القدير كما تدعوه الكتب المقدسة، و"الجبّار الذي به كان كلُّ شيء وبغيرِهِ لم يكن شيء مما كان" (يو 3:1)، فهو النور الذي أشرق على المسكونة، وهو الراعي الذي يرعى شعبه، إنَّه الحَمَلُ الذي مِنْ أجلِنا قُدِّمَ على مذبح البشرية لفدائِها. ففي اسم يسوع تكمن كلُّ المعاني، فهو الفادي الذي سأل عنه برنردوس قائلاً:"لماذا ولِدْتَ ؟" فيجيبُهُ:"لأني يسوع"، "ولماذا قاسيتَ الآلامَ وأهرقْتَ الدمَ ومتَّ على الصليب ؟" يجيبُهُ:"لأني يسوع"،… نعم، إنّ هذا الحب الذي يحمِله اسم يسوع يذكّرُنا بقول القديس برنردوس أيضاً إذ يقول:"إنّه شَهدٌ على الشفتين وموسيقى شجيّة في الأذن وطربٌ وبهجةٌ للقلوب التقيّة".

باسم يسوع نالت البشرية خلاصاً وفداءً، وباسمِه دخل اللصُّ ملكوتَ السماوات، وباسمِه غُفِرَتْ خطايا المجدلية، وباسمِهِ طُرِدَ الشيطان، وباسمِه وَجَدَتْ النفوس تعزيةً وفرحاً… لذا علينا أنْ نقدِّمَ الإكرامَ اللازمَ لهذا الاسم في هذا الشهر المقدس الذي به آمنّا، وبه كان لنا الخلاصُ، وبثقةٍ وإيمان، عاملين بوصيّة الرسول القائل:"ومهما أخذتُم فيه من قولٍ أو فعلٍ فليكن الكلُّ باسمِ الربِّ يسوع المسيح شاكرين الله الآب" (1كو 17:3).

 

خبـــر

          نقرأ في سفر أعمال الرسل الأعجوبة التي اجترحها بطرس الرسول باسم يسوع، فقد كان رجل أعرج من مولده عند باب الهيكل فلما رأى بطرس ويوحنا مزمعَيْن أنْ يدخلا الهيكل سألهما صدقةً فتفرّس فيه بطرس مع يوحنا وقال:"انظر إلينا" فأصغى إليهما مؤمّلاً أنْ يأخذ منهما شيئاً فقال بطرس:"ليس لي ذهبٌ ولا فضةٌ ولكنْ أعطيك ما عندي، باسم يسوع الناصري، قمْ وامشِ". وأمسكَ بيدِهِ اليمنى وأنهضَه، ففي الحال تشدّدتْ ساقاه ورجلاه فوثب وطفق يمشي ودخل معهما إلى الهيكل وهو يمشي ويثِب ويسبِّح الله" (أعمال 2:3-8).

 

إكـــرام

          اعمل دائماً على أنْ تقدّسَ اسمَ يسوع في حياتِكَ، واجعل اسمَه على شفتيكَ مدى حياتِكَ وحتى ساعة موتِكَ، واعمل أن لا يفارِقَكَ هذا الاسم إلا إذا فارقتْكَ الحياة.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس باسمِكَ يكون لي الخلاص


اليوم الرابع

تأمل في محبة قلب يسوع الشخصية

 

     بما أنّ محبةَ يسوع عامة وهي تشمل الجميع، ويدعوهم مهما كَثُرَت خطاياهم إلى التوبة، ولكن ربما يخالجُ أحدَّنا الظنُّ بأنّ نفسَه بعيدةً عن أنظارِ الله، كلاّ فإنّ محبة قلب يسوع شخصية إذ هو الذي قال لنا "إنني أدعو كلَّ واحدٍ باسمِه" فهو الراعي الحقيقي الذي يعرف خرافَه (يو 14:10). إنّ حبَّ قلب يسوع هو شبيه بالحبِّ الوالدي فهو حبٌّ شامل للكبار والصغار، وأمثلة كثيرة في الإنجيل تشرح لنا هذا الحب الشخصي، إنّه لم يلتقِ بنثنائيل ولما رآه يوماً بصحبةِ فيلبس قال له:"إنني قبل أنْ يدعوكَ فيلبس وأنتَ تحت شجرةِ    التينة رأيتُكَ" فلما سمِعَ نثنائيل كلام يسوع الذي أخبره بكلِّ ماضيه صرخ متعجباً "يا معلم أنتَ ابنُ الله، أنتَ ملكُ إسرائيل" (يو 49:1)، وكذلك زكّا الذي كان يجهلُ يسوع صعِدَ إلى جمّيزةٍ ليراه فلما وصل المعلّم رفع طرفَه فرآه فقال له:"يا زكّا أسرِع وانزِل فاليوم ينبغي لي أنْ أمكثَ معكَ في بيتِكَ" (لو5:19)، وأيضاً السامرية التي جاءت لتستقي ماءً صرخت وقالت:"يا رب أرى أنّكَ نبيٌّ" (يو19:4). نعم، هكذا يعرِفُنا يسوع وينادي كلُّ واحدٍ منا باسمِه كما نحن تحت أنظارِه، يعرفني كما عرِفَ نثنائيل وزكّا والسامرية وكما يعرف الراعي خرافَه هكذا يعرفني أنا أيضاً بما لي من صفاتٍ حسَنَة أو سيئة كما يعرف ضعفي وتجاربي وميولي ومع هذا كلُّه فإنّ حبَّ قلبِه يجعلُه أنْ يسهرَ عليّ لكي لا يأتي الشرير ويوقِعَنا في الشرِّ والخطيئة. يا لسموِّ مقام نفوسِنا عند يسوع، إنه أحبَّنا شخصياً فبذل حياتَه من أجلِنا قائلاً لنا:"لقد ذكرتُكم ساعةَ نزاعي في بستان الزيتون وسفكتُ دمي من أجلِ خلاصِكُم". وهو يحمِلُنا على أنْ نعملَ على تقديسِ ذواتِنا تحت أنظارِه وأنْ نجدِّدَ محبتِنا لقلبِهِ لنحيا فيه ومعه وله… فهو قوتُنا في الحياة وخلاصُنا في الممات.

خبـــر

     إنّ القديس لويس دي غونزاغا اليسوعي لم ينَل النقاوة والطهارة الملائكية ولم يفُزْ بالسلام الروحي إلا باتحادِه بقلب يسوع الأقدس. فقد حصل هذا القديس على هذه التعزية قبل أن يبارِحَ الحياة وينتقل إلى الآخرة، في اليوم ذاتِهِ الذي احتُفِلَ فيه فيما بعدُ بعيد قلب يسوع الأقدس. وكذلك القديسة ماريا دي يانسي قد حازت بإنعامٍ من هذا القلب الإلهي على أنْ تشاهدَ مجدَ هذا القديس العظيم في السماء، وعند ذلك هتفت صارخةً:"يا لَعِظَم شرف القديس لويس في السماء، إني لم أكن متيقِّنةً من ذلك لو لم يُنعِمْ عليَّ مولاي بأن أراه عياناً".

 

إكـــرام

     إنّ محبةَ قلب يسوع الشخصية لكَ يجب أنْ تذكِّرَكَ بأنه عاش ومات لأجلِ خلاصِكَ… فاجعل من حياتِكَ غصناً في كَرْمَةِ المسيح.

نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس أضرِمْ قلوبَنا بنارِ محبَّتِكَ

اليوم الخامس

تأمل في أنّ حبَّ قلبِ يسوع لا يَشبع ولا يرتوي

 

     قال الربُّ يسوع: إنّ رجلاً صنع عشاءً عظيماً ودعا إليه كثيرين. ولكن كل الذين دعاهم اعتذروا بأنّ أشغالَهم لا تسمح لهم بالحضور. حينئذٍ غضِبَ ربُّ البيت وقال لعبده:"أُخرُجْ سريعاً إلى شوارعِ المدينةِ وأزِقَّتِها وأتِ بالمساكين والعميان والبُرص إلى ههنا" فقال العبد:"يا سيد قد قضي كما أمَرْتَ وبقي محلٌّ" فقال السيد للعبد:"أخرج إلى الطريقِ بعيداً عن المدينة وادعهم إلى الدخولِ حتى يمتلئَ بيتي" (لو 16:14-23).

     من هذا المثل نجدُ أنّ قلبَ يسوع هو قلبٌ رحِبْ فهو يدعو جميع البشر إلى مائدتِه قائلاً:"تعالوا كلوا خبزي واشربوا من هذه الخمر التي أعدَدْتُها لكم" (اش 1:55-3) ولكن كثيرين يتخلّفون عن هذا العشاء ومع هذا يُصدر الربُّ أوامِرَه لعبيدِه الأمناء ويقول لهم:"اخرجوا واذهبوا إلى المدنِ والقرى ليأتوا جميعاً إلى عشاء حبي لأنه بقي محلٌ في قلبي" وهذا ما يريدُ أنْ يقولَه لنا إنَه يهِبُنا كلَّ شيء حتى ذاتِهِ، ولا يهدأ إلا إذا لبّى جميعُ البشر نداءَ حبِّه… فالمدعوّون الأولون في هذا المثل قدّموا أعذارَهم وامتنعوا عن الحضور رغم اختيار الرب لهم ودعوتِهم، وما أعذارُهُم إلا أعذارٌ تافهة ودنيوية.

     إنّ الربّ اختارَنا ودعانا وما علينا إلا أنْ نسهرَ ولا نهمل دعوةَ قلبِ يسوع لنا إلى مائدتِه السماوية فقد ترك لنا أسرارَه المقدسة لكي نبلغ بها إلى حياةٍ أفضل، فقلبُه لا يَشبع ولا يرتوي فهو يدعونا دائماً إلى أنْ نحبَّه وما علينا إلا أن نكون أول الملبّينَ لدعوةِ قلبه وأن نكون عبيدَه الأمناء ونحمل رسالةَ قلبِه إلى أقربائِنا وأصدقائِنا وجيرانِنا وبالخصوص إلى الذين يجهلونَه إلى الآن وهجروا مائدتَه، فإنه يدعو كلَّ محبٍّ إلى قلبِه.

 

خبـــر

     لقد كانت القديسة كاترينا السيانية التي خصّها الحب الإلهي بجراحٍ عميقة طلبت يوماً من الربِّ يسوع أن ينزع منها قلبَها وإرادتَها حتى تخضعَ في كلِّ الظروف السيئة والسعيدة على السواء لرغباتِ عريسِها الإلهي دون إبطاء أو تردُّد. فبينما كانت تصلي هكذا ظهر لها المخلّص ودنا منها وفتح جنبَها الأيسرَ ونزع قلبَها، فشعرت في الحال بأنّ قلبَها أصبح لا ينبضُ في صدرِها. وبعد بضعةِ أيام وبينما كانت تصلي تراءى لها الرب يسوع محاطاً بأنوارٍ ساطعة وحاملاً بيديه قلبَه ووضعه في جنبِها الأيسر قائلاً لها:"يا ابنتي العزيزة إني أعطيكِ قلبي بدلَ قلبِكِ" وحتى لا يظنّ الناس بأنّ تلك تخيّلاتٌ باطلةٌ طَبَعَ في جنبِ القديسة كاترينا أثراً شهِدَتْه مراراً أخواتِها في الدير اللواتي عاينَّ الجرحَ ذاتَه. ومن ذلك الوقت لم تَعُدْ تقول "إني أسلِّمُكَ يا رب قلبي" بل كانت تقول "إني أسلّمُكَ قلبَكَ".

 

إكـــرام

     تشجّعْ واذهب إلى يسوع وسلِّمْ له حمايةَ نفسِكَ بشفاعة قلبِه الأقدس فهو يدعوكَ إلى عشاء محبة قلبه يوماً ما في السماء.

 

نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس اجعلني أن أجلسَ على مائدتِكَ في السماء


اليوم السادس

تأمل في أنّ حب قلب يسوع لا يكل ولا يمل

 

     كم هو عظيمٌ هذا المثل الذي قالَه الربُّ يسوع في إنجيل لوقا: كان لرجلٍ تينةً مغروسةً في كَرَمِهِ فجاء يطلبُ فيها ثمراً ولم يجد فقال للكَرّام:"لي ثلاث سنوات آتي وأطلبُ ثمراً في هذه التينة فلا أجد، فاقطعْها ولا تعطّلِ الأرضَ"، فأجاب الكرّام وقال له:" يا سيد دعها هذه السنة أيضاً حتى أفلحَها وأُزبِّلَها، فإنْ أثمرَتْ كان بها وإلا فتقطعها فيما بعد" (لو 6:13-10).

     هكذا الله تعالى وعلى غرار صاحبِ الكَرَم يتوجه إلى جميع النفوس طالباً فيها ثمارَ القداسة فلا يجد ما يُرضيه فيقول حينئذٍ "لا فائدةَ في حياةِ هذا الإنسان لأنّ حياتَه باطلة عقيمة فالأحرى أنْ يُقطَعَ ويُطرَحَ خارجاً حتى تقوى نعمتي وتكثر في الآخرين الذين يعطّلُهم بوجوده" ولكن الربَ يسوع بحبِّ قلبِه الإلهي يطلب من أبيه السماوي أنْ يتمهّلَ قليلاً لأنّ نفْسَ هذا الإنسان اشتريتُها بدمي ومن أجلِها بذلتُ كثيراً وسأبذل أقصى الجهود لعلّها تُثمر في المستقبل وإلا سأسلِّمُها لعدالتِكَ يا الله.

     نعم، عجيبٌ هو حب قلب يسوع، فإنه يتأنّى ويتمهّل على الخاطئ، بل يتجاوز كل حدود اللطف والحنان وعطفُه لا يقف عند حد وإذا ما وجد حياتَنا على هذه الأرض رديئة وفاسدة فإنه يعمل على إصلاحِها وخلاصِها بلا كلل ولا ملل وفي كلِّ وقتٍ. فهو مِثلُ الكرّام يعزقُ حولَ النفسِ أولاً لأنّ الزرعَ قد خنقته الأعشاب والأشواك أي هموم الدنيا ومشاغلُها وملذاتُ الحياة ومتاعبُها فيضطر يسوع أنْ يقلعَ كل ما يخنُق النفسَ ويترُكُها أسيرةً لشهواتِها… نعم، يسوع يصبر ويعمل لخلاصِنا بلا كلل ولا ملل ليحرِّرَ نفوسَنا وينقذَنا من نيرِ العبودية. فما خلاصُنا إلا من صنعِ يدَيه وقبولُنا له، فلنخضعْ لعملِه فينا كما تخضع الشجرةُ الصغيرةُ للكرّام الذي يقلّمُها وينقّيها.

 

خبـــر

     رُويَ أنّ القديسة جروترودة قد حظيَت يوماً برؤيا القديس يوحنا فسألته قائلةً:"طالما اتكأتَ على صدرِ المخلّص في العشاء الأخير، فَلِمَ لم تكتب شيئاً عن عواطف ذلك القلب الإلهي ؟" أجابها القديس بهذه الكلمات قائلاً:"قد فُرِضَ عليَّ بأنْ أكتبَ لأجلِ الكنيسةِ وهي في مهدِها لنشر كلمة ابن الله، أما ما كان من عذوبة عواطف هذا القلب الإلهي فقد أراد الله إيفاء إعلانها إلى الأزمنة المتأخرة ليضرِمَ المحبةَ   في قلوبٍ قد اعتراها الفتور"… فها قد وصلنا إلى الأزمنة التي أشار إليها التلميذ الحبيب بخطابِه للقديسة المذكورة.

     نعم، إنّ نيران المحبة قد انطفأت في القلوب ولكن قلب يسوع بمحبتِه سيجعل من عِبادِهِ أنْ ينشروا علامات هذا الحب في كلِّ مكان.

 

إكـــرام

     إنّ عطفَ يسوع ومحبتَه لنا لا يوصفان فهو ينتظرُنا بلا كلل ولا ملل فلنذهبْ ونُقِرُّ بخطايانا ونُجدِّدْ محبةَ قلبِه لنا.

 

نافـــذة

يا قلب يسوع أمهلني فأنا نادم على خطيئتي


اليوم السابع

تأمل في أن حب قلب يسوع كريم وسخي

 

     إنّ معلّمَنا الإلهي يسوع المسيح يحدِّثُنا في إنجيل متى عن ملكوت السماوات يقول:"يُشبه ملكوت السماوات رجلاً تاجراً يطلب لآلئ حسَنة وثمينة فوجد لؤلؤةً كثيرةَ الثمن فمضى وباعَ كلَّ مالَه واشتراها" (متى 45:19-46).

     نعم، إنّ يسوع هو هذا التاجر، وما تقرأه في هذا المثل ما هو إلا رمزٌ من كَرَم وسخاء حب يسوع لنا إذ أنّ نفوسَنا هذه لآلئ ثمينة يفتش عنها الآب السماوي بابنِه يسوع كما يقول بولس الرسول:"إنّه أخلى ذاتَه آخذاً صورةَ عبدٍ صائراً في شِبهِ البشر وذلك ليشتري نفوسَنا وبأي ثمنٍ كان".

     إذا ما تأمّلنا هذا المثل تحت أنوار الروح القدس يستولي علينا الذهول والدهشة، إذ نرى يسوع _ الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس _ يضحي بكلِّ شيء من أجل الحصول على حياة الإنسان كلؤلؤة ثمينة… ما هذا الكَرَم ؟ وما هذا السخاء ؟ فلا يمكن للعقل أنْ يُدرِكَه إلا بروحِ الإيمان والمحبة. وبعملِه هذا يعلّمنا أنْ نعملَ دائماً على التفتيش عن اللؤلؤة الثمينة ويجعل من ضِيقاتِنا وألمِنا واسطةً لنيل السماء، فهو يقول:"إنّ نِيْري طيّب وحملي خفيف". وبما أنّ حب قلب يسوع كريم وسخي إلى حد البذل والعطاء يجب علينا أيضاً أن لا يكون حبُّنا له شحيحاً وفقيراً رغم محدوديتِنا وضعفِنا… ما علينا إلا أنْ نعطيه كلَّ شيء بدون حساب ولا تراجع، فهو اللؤلؤة الثمينة التي يجب أنْ نبيع كلَّ شيء، كل الدنيا وملذّاتِها، كل الحياة الزمنية ولهوِها، ونشتري قلب يسوع الذي هو اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي لا يضارعها شيء والتي من أجلِها تجسّد المسيح وصار إنساناً ومات على الصليب ليربَحَها ويُغنينا بها.

 

خبـــر

     في لورد بفرنسا مدينة ظهورات العذراء للقديسة برناديت وصف شاهد عيان تجلّي مجد يسوع في الافخارستيا عبر تطوافات القربان المقدس قال: حينما يصل القربان المقدس ويتجول بين المرضى ترتفع التضرّعات والصلوات مدة نصف ساعة على الأقل وفي أثناء ذلك يتلألأ الشعاع أمام أعين الجميع ويعلو هتافُهم "يا رب اشفِ المرضى، يا رب إنْ شئتَ فأنتَ قادرٌ أنْ تشفيَني" وعلى بعد خطوتين من شعاع القربان المقدس المتواجد بين المرضى تنتصب فَجأةً فتاة شاحبةُ اللون وقد تجلّى وجهُها فأشبه وجهَ لعازر الخارج من القبر، وبينما الجمهور المتحيّر يبكي ويصرخ لهذا المشهد ينهض بعض المقعدين فَجأةً يميناً وشمالاً ويضطرب الحاضرون ويتأثرون ويبسطون أذرعَهم للصلاة، في هذه الأثناء قالت فتاةٌ عمياء لرفيقتِها:"حالما يصل شعاع القربان المقدس أمامي عرّفيني" وكان ما أرادت فعرّفتها صديقتُها في الوقت المناسب، في تلك اللحظة مرَّ بريقٌ على عينيها وفي الحال صارت ترى كسائر الناس وإذا بالجمهور يصفق ويبكي عطفاً وحناناً وفرحاً وتزاحمت كراسي المقعدين حول شعاع القربان المقدس. وفي الوقت نفسِه كانت أصوات المصلّين تشكر الرب على نِعَمِهِ وأعاجيبِهِ.

إكـــرام

     مَن يمكنُه أن يَرويَ عجائبَ كَرَم يسوع وسخائه نحو البشر… فلنقل كلَّ يومٍ من حياتِنا إنّ يسوع ينبوعٌ من النِعَم وسخيٌّ في حبِّه للبشر.

 نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس أفِضْ علينا نعمَكَ وارحمنا


اليوم الثامن

تأمل في أنّ قلب يسوع عادل وأمين

 

     لقد رأينا أنّ حبَّ قلب يسوع لنا كلُّه كَرَمٌ وسخاء وبذلْ ذات بلا حساب وبلا ملل، وإذا ما عرفنا جيداً عظمة هذا الحب ما علينا إلا أنْ نُجيبَ المحبةَ بالمحبةِ الصادقة. وهذا ما يطلبُه منا أن نكونَ مثلَه رحومين وعادلين لأن الرحمة والعدالة صفتان متلازمتان لا تنفصلان. وهذا ما يقولُه لنا متّى الإنجيلي إذ يقول يسوع: يُشبه ملكوت السماوات رجلٌ مسافر دعا عبيدَه وسلّمَهم أموالَه فالواحد أعطاه خَمْسَ وَزَناتٍ والآخر وزنَتَين والآخر وزنة واحدة كلٌّ على قَدرِ طاقتِه وسافر (متى 14:25-31).

     في هذا المثل نرى عدلَ يسوع ونرى عطاءه اللامحدود، فقد حظينا بالحياة، والحياة هبةٌ منه وهي وزنة علينا أنْ نتاجِرَ بها ونربح لا أنْ ندفنَها ونترك الحياة بلا ثمرة فعندما يأتي الحصاد نظهر وأيدينا فارغة فنكون بذلك قد أهملنا موهبة الحياة التي أُعطيَتْ لنا ودفنّا وزنَتَه في الأرض وأصبحنا بلا ثمرة، بينما الرب يطالب بحقِّه مع ربح وزنَتِه ويسألكَ: ماذا صنعتَ بالوزنةِ التي وهبتُكَ إيّاها ؟ أعطني حسابَ وكالتِكَ. أين محبتُك لي ؟ عند ذاك تقف في تلك الساعة واجماً وتُتمتِم بعض الكلمات مثل الكسلان وتقول: لقد أخفيتُها ودفنتُها وبدّلتُ المحبةَ بالنسيانِ والنكران… حينئذٍ يكون   البكاء وصرير الأسنان.

     نعم، لنُدرِك أنّ حبَّ قلب يسوع لنا هو ليعلِّمَنا العملَ والعطاء في العدل والمحبة وهو يطالب بأنْ لا تكون حياتُنا بلا جدوى بل أنْ تكونَ حياةُ محبٍ وصديقٍ أمين… وفي هذا الصدد يقول الكاردينال "مرسيه":"إنّ قلب يسوع يدعو حياة الإنسان لتُلاقي حبيبَين، الحب الإلهي الذي يتنازل ويدعو إليه الإنسان، وحب الإنسان الذي يَهِب ذاتَه لله". فلنَهِب الله حسْبَ طلبِهِ حياتَنا وحبَّنا بهذه يكون حب قلب يسوع عادلاً وأميناً.

 

خبـــر

     كتب الأب بيير كلود أحد الآباء اليسوعيين إنه كان عائشاً في عصر القديسة مرجريتا مريم في القرن السابع عشر وكان أول مَن استخدمهم الرب لنشر عبادة قلبه الأقدس بين المؤمنين. فيسوع هو نفسُه الذي أنابَه للقيام بهذه المهمة الجليلة بوساطة القديسة مرجريتا مريم إذ اختارَه ليكون مرشِدَها الروحي فقد قال لها يسوع يوماً في ظهوراتِه:"اذهبي واسترشدي بالأب بيير إنه صديقي الحميم وخادمي الأمين واتبعي كلَّ نصائِحِه" فهذا القديس العظيم رغم سموِّ قداستِهِ وتأدية رسالتِهِ على الوجه الأكمل ومواصلةِ الليل بالنهار للقيام بواجباتِهِ الروحية كان يبكي بكاءً مراً طوال أيام حياتِه ويقول:"الويلُ لي أنا الشقيّ، لأني لا أعمل كلَّ الخير الذي يمكن عملُه، ولا أتاجر بوزنتي كلِّها"… بهذا يجب على كل إنسان أن يكونَ أميناً للوصية التي أُعطِيَتْ له.

 إكـــرام

     كن مستعداً لعمل مشيئة الرب حسب نداء قلبه الأقدس فهو يدعوكَ لكي تكون أميناً في رسالتِكَ وعادلاً أمام نِعَم الحياة التي أُعطيت لكَ.

 

نافـــذة

يا قلب يسوع اجعلني أميناً لرسالتي


اليوم التاسع

تأمل في أن قلب يسوع مثالٌ للطاعة

 

     طاعتُنا المسيحية الحقّة هي في الخضوع لإرادة الله. فلوقا الإنجيلي يقول عن يسوع: ثمَّ نزل معهما وأتى الناصرة وكان خاضعاً لهما (لو 51:2) مطيعاً لمربّيهِ يوسف ولأمِّه مريم وكما كان مطيعاً لوالدَيه الزمنيين كان يعمل مشيئةَ أبيه السماوي ومطيعاً له إذ قال:"إنّ طعامي أنْ أعمَلَ مشيئةَ مَنْ أرسلَني وأُتمِّمَ عملَه" (يو 34:14) ويدعو البشر أجمعين إلى حمل هذه الصفة وهي أعظم الوسائط التي تقرّب البشر من قلبِه الإلهي في إتمام رغبات أبيه السماوي "لأن كل مَن يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي" (متى 50:12). وفي ساعات النـزاع في بستان الزيتون بيّن لنا يسوع بحبِّ قلبِه صفة الطاعة التي يحملُها تجاه الآب السماوي إذ كان يردِّد في البستان "يا أبتي إنْ كان مستطاعاً أنْ تعبُرَ عنّي هذه الكأس ولكن لا مشيئتي بل مشيئتُكَ" (متى 42:26). وبلغتْ محبتُه للطاعة إلى سَفْكِ دمِهِ على الصليب لأجلِ خلاصِنا جميعاً إذ يقول بولس الرسول "وَضَعَ نفسَه وصار        يطيعُ حتى الموت موت الصليب"… وبطاعتِهِ هذه فتح طريقَ السماء لجميع البشر فهو الذي قال "أنا الطريق والحق والحياة" (يو 6:14) مما يدلُّنا على أنّ الطاعة يجب أنْ تكون للوالدَين وللرؤساء الروحيين والزمنيين لأنها تقودُنا إلى احترام المطاع الذي له السلطة، وكل سلطة تكون من الله لأنه هو مصدر كل سلطان في الأرض والسماء.

 

خبـــر

     إنّ القديس شربل مخلوف راهب من الرهبنة المارونية اللبنانية الذي مات سنة 1898 وأعلَنَتْه الكنيسة قدّيساً في 9 تشرين الأول 1977 هو في حياتِهِ لم يكتفِ بامتثالِهِ لأوامر رؤسائِهِ بل كان مطيعاً لهم في إتمام أبسط الأشغال كشغلِ المطبخ والفِلاحة وكان يعمل أنْ يكونَ مطيعاً لأصغر الرهبان ولا يأتي بعملٍ دون استشارة اخوته الرهبان وأذنِهِم مدة اثنتين وثلاثين سنة قضاها في محبة دَيرِهِ ومقتدياً بذلك بالربِّ يسوع الذي كان خاضعاً ومطيعاً مدة ثلاثين سنة في الناصرة.

 

إكـــرام

     تذكّر إنّ الطاعة طريقٌ تقودُ إلى السماء عَبْرَ مجالِ الحياة وهكذا أطاع قبلَكَ مُحِبُّكَ يسوع، أطاع حتى الموت موت الصليب.

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس لتكن مشيئتُكَ


اليوم العاشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال الفقر

 

     إذا نظرنا إلى الفقر بذاتِهِ رأيناه أمراً مكروهاً تنفرُ منه القلوب، ولكن إذا نظرنا إليه بعينِ الإيمان بالمسيح الذي قدّسَ منـزِلَتَه ورفع مقامَه رأيناهُ أساساً لحياتِنا الرسولية المسيحية. وأصبحت بذلك فضيلة الفقر أُولى رغبات القديسين ومطمع آمالِهِم، فلقد قال البابا القديس بيوس العاشر في وصيتِهِ:"قد ولِدتُ فقيراً وعشتُ فقيراً وأريد أنْ أموتَ فقيراً وأُدفَن في مدافِنِ الفقراء"… لقد اختار الربُّ يسوع حياةَ الفقر واختار تلاميذَهُ أيضاً من بين الناس الفقراء والبسطاء وصيادي السمك وقد قال يوماً لتلاميذِهِ:"إنّ للثعالبِ أوجرةً ولطيورِ السماء أوكاراً وأما ابن الإنسان فليس له موضِع يسندُ إليه رأسَهُ" (لو 58:9).

     نعم، إنّ الربَّ يسوع لم يطلب من الإنسان إلا أنْ يكونَ فقيراً لكي لا يكون الغِنى عائقاً لمسيرتِهِ الروحية "ليس بإمكانِكُم أنْ تعبدوا الله والمال" (متى 24:6)… وفي عظتِهِ على الجبل فاهَ وباركَ وطوَّبَ المساكينَ إذ قال:"طوبى للمساكين بالروح فإنّ لهم ملكوت السماوات". لقد ولِدَ فقيراً في مغارةٍ للرعاة البسطاء وعاش فقيراً في عائلتِهِ في الناصرة كنجّارٍ بسيط ومات فقيراً… ما عظمة هذا الفقر، إنّه أسمى محبة لقلب يسوع، وبقدر ما تكون فقيراً في الروح وبسيطاً في الحياة بقدر ذلك تكون غنياً بالله، إنّ العليلَ كلما شرِبَ ازدادَ ظمأً والإنسان كلما زاد في الخيرات زاد في الطمع والالتصاق بالدنيا… ما يجب إذاً هو أنْ تقدّمَ الشكرَ لله والحمدَ بما جاد عليكَ من المال فإذا كنتَ من ذوي الثروةِ واليُسرِ كان لزاماً عليكَ أنْ تقومَ بأعمالِ البِرِّ والإحسان، فالفقراء وُجِدوا في الحياة لتساعدَهم، فكل ما يملكُ الإنسان ليس مُلْكه وإنما مُلْك الله وبقدر ما تملك بقدر ذلك عليكَ أن تكون فقيراً أي أنْ لا يلتصق قلبُكَ بما لكَ أما إذا كنتَ فقيراً فاشكر الربَّ على هذه الموهبة "وكل واحدٍ يعطيه               حسب إمكانياته (متى 15:25).

 

خبـــر

     كان الأب فردريك أغسطس من أمراء سكونيا وقد سُيِّمَ كاهناً في سنة 1896 وعند سيامتِهِ وزّع        كل ما يملك على المساكين والفقراء وعاش حياتَه الكهنوتية طوال 54 عاماً كاهناً فقيراً فقد كان ينامُ على خشبةٍ مصنوعةٍ من التِبنِ ويرضى بأكلٍ بسيطٍ أما ثيابُهُ فكانت بسيطة الحال. وقد قضى الشطر الأكبر من حياته على مساعدات أحد أديرة الراهبات، وكان يقول:"لا أملك شيئاً، حتى ما أرتديه هو من حقِّ العريان وما آكله هو من حقِّ الجائع". وظلَّ طِوالَ حياتِهِ الكهنوتية يقطع مسافاتٍ طويلة من قريةٍ إلى أخرى ليشارك الفقراءَ والمساكين حياتَهم ويعزّيهم بكلماتِ الإنجيل المقدس وكانوا يشاركونَه في القداس الإلهي… ومن فرطِ حبِّهِ للفقراء والمساكين كان يضطرُّ أحياناً إلى طلب الصدقات من ذوي البِرِّ والإحسان من معارفِهِ وأصدقائِهِ.

 

إكـــرام

     إنّ حبَّكَ لقلب يسوع الأقدس يجب أنْ يكون متجرّداً من كل الأمور الدنيوية.

 

نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس … املأني غِنىً بفقرِكَ


اليوم الحادي عشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال الطهارة

 

     لقد قال القديس كاسيانوس:"إنه لا شيء يقرّب البشر من الملائكة مثل فضيلة الطهارة فهي زينةُ الملائكة. والنَفسُ الطاهرة تحيى كأنَّها روحٌ محض تنطلق في مراقي العلا دون قيدٍ أو شرط وتتحرّر من سجن البشرية وتحلّق في ملكوت السماوات" كما قال الرسول:"أما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح" (رو9:8) والقديس متى يقول في إنجيلِه معلِناً أنّه "في القيامة يكونون كملائكة الله في السماوات" (متى 30:22). إذ لا عجب إذا كان الملاكُ طاهراً بحكمِ طبيعتِهِ إذ يستحيلُ عليه أنْ يأتي بأعمالٍ تتنافى مع هذه الطبيعة وتتجافى مع صفاء جوهره وطهارتِه المثالية. أما الإنسان الذي تحاربُهُ الأهواء والشهوات فهو يكافح ويناضل ليظلَّ محافظاً على طهارة نفسِهِ، وهكذا بكفاحِهِ في هذا المضمار يحافظ على هذه الجوهرة الثمينة التي زرعها الخالق في قلبِ الإنسان واختار منذ البدء العذراء مريم لتكون طاهرةً مقدسة حيث منها تجسَّدَ المسيح وهي بتول وطاهرة وعفيفة.

     لقد كان يسوع في طهارتِهِ مثالاً، تجرَّدَ من أدرانِ البشرية وترفَّعَ عن أفعالِ البشر ولم يعكِّر أو يَمُسَّ هذه الفضيلة المقدسة وبهذا قرَّبَ يسوع إليه النفوسَ الطاهرة وميَّزَها بالنِعَم والعطايا المختلفة. وقد ورد على لسان سليمان الحكيم بقوةِ الروح القدس عن المسيح كيف عاش بين الزنابق ينظر إلى بياضِها الناصع ويستنشق عبيرَها الفيّاح وما ذاكَ إلاّ بياضُ النفوس وعبيرُ فضائِلِها الذكي "وهو الذي يرعى بين السوسن" (نش 16:2).

 

خبـــر

     الطوباوية مريم يسوع المصلوب راهبة من شرقِنا الأصيل بإيمانِهِ من قرى شمال فلسطين. وُلِدَت في 5 كانون الثاني 1816 في مدينة عبلين وهي أخت لاثني عشر أخاً ماتوا كلُّهُم في صغرِهِم… تيتَّمَتْ فتبنّاها عمُّها وعَقَدَت النيةَ على أن تبقى بتولاً، ولكن عمَّها أراد أنْ يزوِّجَها. أما هي فرفضت لتبقى بتولاً طاهرةً وتخصِّص حبَّها لقلبِ يسوع الأقدس، ورفضها هذا جعلها تتحمّل الآلام فازدادت رغبتُها في تكريس ذاتِها لله فدخلت دَيرَ القديس يوسف في مرسيليا بفرنسا وعُرِفَت بنقاوةِ حبِّها وحياتِها للرب ونالت إعجابَ الجميع. وفي 26 آب 1878 فارقت الحياةَ وقد حَمَلَتْ سِماتَ آلام المسيح في جسدِها وكان الشيطان يجرِّبُها دائماً ولكنها ظلّت دائماً زنبقةً طاهرة وكانت تقول:"إنَّ الشيطانَ يستطيعُ أنْ يدفعَ الإنسانَ إلى أنْ يتحمَّلَ الاحتقارَ في الخارج ليُحسِنَ الخداعَ فيما بعد".

     أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية في 13/11/1983 وقد قال في خطابِهِ فيها "إنَّها الآنَ شفيعةٌ في السماء من أجلِ الحبّ البريء الذي حَفِظَتْهُ للقلبِ الإلهي لتكون مثالاً لبناتِ الأجيالِ القادمة"… وقد كَتَبَت هي عن نفسِها قائلةً "إنني أفتِّشُ عن يسوعي وعَرفتُه من حبِّ قلبِه للبشر في قلبٍ مستقيم وروحٍ متواضع.. فعظامي تحبُّ إلهي ونفسي وجميعَ حواسي".

إكـــرام

     إذا أردنا أنْ نحافظَ على فضيلة الطهارة في حياتِنا، علينا أنْ نجعلَ من قلوبِنا بيوتاً لسُكنى قلب يسوع الأقدس ومحبتَه. فقلبُهُ ينبوعُ الحبِّ الإلهي… ينبوع الطهارة والقداسة.

 

نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس اخلق فيَّ قلباً طاهراً ونقياً


اليوم الثاني عشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال الصبر

 

     الصبر نوعان: صبرُ النفس وصبرُ الجسد. والنَفس الصبورة إنْ لم تقتُل الغمَّ بالصبرِ قتلها، فهو دواءٌ لكلِّ داء ولا يَصلح له إلا سَعَةُ الصدر وهو أفضلُ ما لِذوي العزائم من صفات لأنه قوةٌ من قِوى العقولِ الراجحة وبقدر هذه القِوى يكون إيمانُ المَرء لأنه يغلُب الشدّة ويُذيبُ ما يكتنِفُنا من أحزانٍ ويجلو ما بصدورِنا من آلامٍ.

     نعم، الصبر مرّ كمرارةِ الحياة، وتمتزج مرارتُهُ بخبزِنا اليومي حيث لا نستطيع أن نكتسِبَ هذا القوت ونجني ثمرةَ العمل من غيرِهِ، إنّه يدخل دائماً في حياتِنا ولا مفرَّ منه إذ يستحيل أنْ يحيا الإنسان خالياً من المتاعب ولا يقضي عمرَهُ دون تجارب، فكل هذه المتاعب تتطلب المزيد من الصبر لتحقِّق فائدةَ التجارب التي تمرُّ به ومثالُنا في ذلك أيوب البار. ولكن رغمَ مرارةِ الصبر فله خاتمة حلوة وفيه عزاءٌ بعد الشقاء، وراحةٌ بعد العناء، ورضى بعد الجهاد، وسعادة بعد تحقق الأماني والفوز بالنصر الأكيد في حياة الروح. فالإنسان العاقل هو مَن كان رابطَ الجأشِ        هادئَ الطبعِ، يَلقى المِحَنَ والشدائدَ برحابةِ صدرٍ وصدقٍ وعزيمةٍ وقوةِ إيمانٍ فتتذلَّلُ أمامَه الصِعاب وتهونُ المتاعب لأنه بالصبر أفضل عتادٍ على التجارب والآلام وهو بشيرُ النصرِ والغَلَبة في كلِّ الأحوال. لذا على الإنسان أن يتوخّى الصبرَ دائماً في حياتِهِ ولا يتعجَّلِ الأمورَ لأنَّ أطيبَ الثمارِ أبطئُها نضجاً وعليه أنْ يستسلمَ لإرادةِ الله رغم صعوبة الحياة ويرفع أنظارَهُ إلى العلى ويوجّه قلبَه إلى الله مستلهماً منه قوةَ الاحتمال لمواجهة متاعب الحياة فإنه تعالى لا ريب هادِيَهُ وفوق ما يبتغيه.

     فالرب يسوع مثالُنا في الصبرِ والأمانة، فقد عَصَفَت بالمسيح محنٌ وشدائدُ كثيرة ومن كلِّ جانب وبصبرٍ احتملَ كلَّ شيء إذ "كحَمَلٍ سيقَ إلى الذبح أمام الذين يجزّونه" (اش 7:53). وأيضاً "جُرِحَ لأجلِ معاصينا وسُحِقَ لأجلِ آثامِنا" (اش 5:53) "ولكنه لم يفتح فاه"… صَبَرَ يسوع فانتصر، فاصبرْ أنتَ أيضاً يا أخي حتى تنتصر وتنالَ الثواب إذ يقول لوقا:"بصبرِكم تقتنونَ نفوسَكم" (لو 19:21) أما متى فيقول:" ومَن يصبر إلى المنتهى فهو يخلُص" (متى 13:24).

 

خبـــر

     القديسة رفقا راهبة شجاعة، تجرّدَت عن كلِّ شيء فعرفت الله في الألم، وفتَّشَت عن القداسة فوجَدَتْها في طريقِ الصليب ومنها تجلَّت الشهامةُ في الحبِّ الإلهي وفيها تجسّدَت التضحية ببذلِ الذات بكلِّ صبرٍ وطولِ أناة. فقد قيلَ عنها إنها الراهبة الصبورة _ وراهبةُ الفداءِ والقيامة. وُلِدَت القديسة رفقا سنة 1832 في بلدة حملايا قرب بكفيّا بلبنان وعمِلَت في صِباها خادمة من أجلِ لقمةِ العيش بعد أنْ فقَدَت أمَّها، وقرَّرت بعد ذلك اعتناق الحياة الرهبانية في دير المريمات في بكفيا عام 1853 ونَذَرَت حياتَها للرب أبداً في 25 آب 1872. وبينما كانت رفقا تصلي يوماً جاثيةً أمامَ القربان متَّخِذَةً من حبِّ قلبِ يسوع ملاذاً آمناً ومَدْرَسَةً للصبرِ صَرَخَتْ "إلهي، لماذا تركتَني فأنا أحبُّكَ لأنَّ قلبَكَ الإلهي أحبَّني. فلماذا لا تزورَني بمرضٍ أُظهِرُ لكَ مِنْ خلالِهِ كامِلَ محبتي لأُكفِّرَ به عن ذنوبي وخطاياي ؟"… وهكذا تقبَّلَ الله تقدِمَتَها بوجعٍ أليم في رأسِها مستسلِمَةً بكلِّ صبرٍ لعطاءِ الرب إذْ عاشت كفيفةَ البصر منذ سنة 1897 وهَزِلَ جسمُها واستمرَّتْ مسمَّرَةً على فراشِ الأوجاع عاجزةً عن الحركة حتى يومَ وفاتِها في 23 آذار 1914.

أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني قديسة في الكنيسة الجامعة في 10 حزيران 2001 وحدَّد يوم 23 آذار عيداً سنوياً لها… فقد شَهِدَت يوماً عليها إحدى الأخوات أنَّ رفقا كانت صامتةً لا تتحدّث إلاّ بالأمورِ الروحية.. كانت تلوذُ بالصمتِ والصبر لتحيا في الصلاة والتأمل أمامَ الحب الإلهي الذي منحها نعمةَ الفرح والسرور رغم آلامها سرّاً مغلَقاً ومدهشاً… نعم، إنها قديسةُ عصرِنا، بصبرِها واستسلامِها عاشت القداسة.

 

إكـــرام

     كان المسيح مثالَكَ في الصبر واحتملَ كلَّ شيء من أجلِ إرادةِ الآب السماوي… اطلبْ إليه أنْ يمنَحَكَ قلباً متواضعاً وصبراً جميلاً لاقتناء نفسِكَ.

 نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس علِّمنا الصبرَ والاحتمال على مثالِكَ


اليوم الثالث عشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال التجرد عن المخلوقات

 

     يقول سفر الجامعة "اختبرتُ الأيام فرأيتُ أنَّ لا راحةَ ولا هناءة لدى المخلوقات، ووجهتُ قلبي ليطلب ويبحث الحكمة عن كل ما صُنِعَ تحتَ السماء فإذا هو عناءٌ رديء جعله الله لبني البشر حتى يعانوه، ورأيتُ جميعَ الأعمال التي عُمِلَتْ تحت الشمس فإذا هو باطلٌ وقبضُ روحٍ" (جا13:1-14). لقد عاش يسوع ثلاثاً وثلاثين سنة، من المذود إلى الصليب، وكان التجرد عن الدنيا أليفَه، ولم يكن له مقرٌّ يرتاحُ فيه "وأما ابن الإنسان فليس له مكانٌ يسنِدُ إليه رأسَهُ" (متى 20:8). نعم، إنَّ القلبَ البشري في حاجةٍ إلى مقرٍّ يثبتُ فيه ومسندٍ يتكئُ عليه وحبٍّ يرتوي منه وينتعش به، ولكن لا راحةَ ولا طمأنينة حقيقية خارجاً عن الرب. فالكتاب المقدس يذكر لنا دائماً أنَّ يسوع كان يجدُ راحتَهُ في محبة أبيه السماوي إذ يقول:"أما يسوع فكان يذهب إلى البرية يقضي الليلَ كلَّه" (مر 35:1) ففي الله يرتاح الإنسان لأنَّ كل سعادة القلب وهناء النفس صادران من اتحادنا بالله تعالى وناتجان عنه كما نتجت كل أفراح ومسرّات الطبيعة البشرية في يسوع من اتحادِها بالله. فلا راحة ولا طمأنينة خارجاً عن الرب "فيكَ يا رب أجدُ راحتي". إذن من الرصانةِ أنْ أجرِّدَ نفسي وقلبي من كل المخلوقات وأضع رجائي ومحبتي في ما يدوم ويثبت ولا يزول، في خالقي ومخلصي الذي وحده يستطيع أن يملأ فراغَ قلبي ويشفي غليلَ حبي… فلابد إذن من أنْ أضعَ كلَّ ثقتي بقلب يسوع فهو الذي يُشبعُني من غِنى نِعَمِ الله ويجرِّدُني عن الأمور الدنيوية الزائلة.

خبـــر

     دخل لويس الحادي عشر ملك فرنسا يوماً على طبّاخ قصرِهِ وسألَه:"ما مقدارُ راتِبِكَ ؟" فأجابه:"بقدر راتب جلالة الملك" أجابه:"هل تعلم ما راتب الملك ؟" قال:"نعم، راتبه هو ما يفي بنفقات أكلِهِ وشربِهِ وكِسوتِهِ ومسكنِه، وبالحقيقة أنا حاصلٌ على كل هذه الأمور" فَسُرَّ العاهلُ سروراً عظيماً بذكاءِ الطبّاخ ولاسيما بقناعتِهِ وتجرّدِهِ عن خيراتِ الدنيا. وللحال أمر أن يُعتنى به ويُهذَّب وأسنَدَ إليه بعد ذاك وظيفةً أكبر… هذا هو الإنسان ولكن قلب يسوع مَنَحَ جميعَنا مواهبَ مختلفةً ومنح المكافأةَ لسخائِهِ في مكافأةِ الفقراء بالروح فقد قال لهم:"إنَّ لهم ملكوت السماوات".

 

إكـــرام

     إنّ هذه الدنيا مليئة بالهمِّ والغمِّ، بالصِعابِ والشدائد فلا تخف أنْ تُلقي كلَّ هذه الهموم على يسوع وقلبِهِ الأقدس وثق إنه يعتني بكَ ويسهر على حياتِكَ وبعنايةٍ أبويةٍ كاملة.

نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس أنتَ حبي وحياتي


اليوم الرابع عشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال الوداعة

 

     الوداعة فضيلةٌ عزيزةُ المنال يُخيَّل إلى المرء إنه أصابَ منها قِسطاً وافراً وهو بعيدٌ عنها لأنها تأمر بضبط النفس وكبحِ جِماحها والتزام السكينة مع الشعور بالقدرة على الغضب ومحبة السلام مع الغلبة والسيطرة على الأعصاب. فالوداعة والتواضع فضيلتان امتاز بهما قلب يسوع الأقدس وأراد أنْ ينفردَ بهما كلُّ مسيحي قائلاً:"تعلموا مني فإني وديعٌ ومتواضع القلب فتجدوا راحةً لأنفسِكم" (متى 29:11). فالوداعة فضيلة تآلف القلوب وتآخي الأرواح وتعايش الناس في دعةٍ وهناء إذ تعمل على أن يسودَ بين الناس صفاءٌ وألفةٌ وصداقة وبعدها يرثون الأرض. فقد قال يسوع في عظته على الجبل "طوبى للمساكين بالروح فإنّ لهم ملكوت السماوات، طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض" (متى 5:5). وهذا ما يريد أنْ يعلِّمَنا إياه قلبُ يسوع المحب إنّه بعد الفقر والتجرد عن أباطيلِ الدنيا لاشيء أشدُّ ضرورةً للإنسان من الوداعة. فهو كان مثالَنا وأظهر وداعتَه مع مربيه يسوع وأمِّه مريم بالخضوع التام لهما، كان وديعاً مع الخطأة والمرضى والمحتاجين، وديعاً مع الأطفال الأبرياء، وأيضاً وديعاً حتى مع مضطهديه ومعذّبيه، فالوداعة درعٌ تَقينا من شرِّ ما يعترض طريقَ حياتِنا. لذا علينا إذا ما أردنا أنْ نربَحَ وداعة الطوبى التي قالها يسوع، علينا أن نتعاملَ بنفس روح الوداعة هذه وبذلك نَرِثُ الأرضَ أعني قلوبَ البشر في الزمن الحاضر والسماء في الأبدية.

خبـــر

     أراد القديس كليمندوس هوفبار الذي توفي عام 1820 أنْ يقيمَ ملجأً في مدينة فرسوفيا في بولونيا         فبدأ بجمع التبرعات. فدخل يوماً فندقاً فوجد ثلاثة أشخاص منهمكين في لعب الورق فطلب منهم صَدَقَةً وتبرعاً من أجلِ مشروعِهِ الخيري، وهنا انبرى له أحدهم بكلِّ شراسةٍ وبصق على وجهِهِ وانهالَ عليه شتماً. ولكن القديس لم يحرِّك ساكناً إلا أنه أخرج منديلَه ومسح البُصاقَ الذي عَلِقَ بوجهِهِ وقال بكلِّ وداعةٍ للرجل الذي أهانَه:"إنَّ هذا البصاق لي وهذا ما استحقه أما الآن فاعطني شيئاً للأيتام والفقراء لكي أقوم ببناء ملجأ لهم" فذُهِلَ الرجلُ من هولِ المفاجأة غير المنتَظرة، من تلك الوداعة ولم يجد بُداً من أنْ يقدم للكاهن القديس كلَّ ما معه ومع أصدقائِهِ من النقود.

إكـــرام

     يقول بولس الرسول:"لا تعملوا شيئاً عن منازعة أو عجب، فليَحسب بتواضعٍ كلٌّ منكم صاحبَه أفضلَ منه". وهذا ما علَّمنا إياه قلبُ يسوع وحبُّه لنا إذ كان وديعاً ومتواضعاً بين اخوته البشر.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس … اجعلني وديعاً مثلك


اليوم الخامس عشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال التواضع

 

     التواضع فضيلةٌ لازمةٌ للحياة الروحية لزوم الأساس للبناء، ومار بولس الرسول يقول عن المسيح "إنه أخذ صورةَ عبدٍ وصار في شِبه البشر ووضع نفسَه" (فيلبي 6:2). لقد تجلى تواضع يسوع طوال حياته على الأرض فقد قال عن نفسه "تعلموا مني فإني وديعٌ ومتواضعُ القلب" (متى 29:11). والتواضع فضيلةٌ أساسية للإنسان إذا ما أراد أنْ يُدركَ كُنْهَ السماء وعمقَ رسالتِها، فبكل تواضع جاء يسوع إلى أرضنا في بيتَ لحم ووُلِدَ في مكانٍ فقير وعاش في مدينةٍ فقيرة وفي بيتِ نجارٍ فقير، وتواضعُه كان لنا مثالاً إذ علَّمنا أن نكون كما قال "ليس تلميذٌ أفضلَ من معلِّمِهِ ولا عبدٌ أفضلَ من سيدِهِ، فعلى التلميذ أنْ يكونَ مثلَ معلِّمِهِ وعلى العبد أن يكونَ مثل سيدِهِ" (متى 25:10). فإذا أمعنّا البحثَ عن أنفسِنا وناقشنا ضمائرَنا بما يدور في خواطرِنا ويلصق بأفكارِنا من صفاتِ الزهو والكبرياء وانتقدناها انتقاداً حراً ومجرَّداً من كلِّ محاباة، لخَجِلنا من الوسائل والحِيَل التي نستعين بها لإبرازِ            شخصياتِنا الغامضة أمام الملأ في إطارٍ من المحاسن والمحامد خلافاً للحقيقة.

     كم هو عظيمٌ ذلك الإنسان حينما يتواضع، فربُّنا يسوع يقول "مَن رفع نفسَه وُضِع، ومَن وضع نفسَه رُفِع" (لو 11:14) ففضيلة التواضع تقرِّبُنا من ربِّ السماء وبه نقترب من الآخرين ولن نجد أنفسَنا إلا إذا تواضعنا حسب معلّمنا الإلهي يسوع المسيح الذي به كان كلُّ شيء.

 

خبـــر

     تسلّم القديس خوري آرس يوحنا فياني الذي توفي عام 1589 ذات صباح رسالةً تتضمن افتراءات وأكاذيب وقد كَتَبَ ما كَتَبَ فيها مرسِلُها وصفَه بأنه مخادع وكذاب. ولم يمضِ ذلك اليوم حتى وصلته رسالةً أخرى تدعوه قديساً وتؤكد إنَّ صلواتِه تُستجاب لما فيه صلاحٍ وتقوى. فأطْلَعَ بعضَ الناس على مضمونِها ثم قال لهم:"يجب علينا أنْ نصنعَ الخيرَ لوجه الله تعالى وحدَه ولا نبالي بكلامِ البشر بل أنْ نجمعَ في خزائنِ الله كلَّ الخير الذي نصنعه"… لقد عُرِفَ هذا الكاهن بفضيلتِهِ وقداستِهِ. وقد كان مثالَ عصرهِ في حياتِهِ الروحية التي كان يعيشها، فقد كان يقرأ على صفحات القلوب، وفي حياته ترك ثلاث مرات قرية آرس التي كان راعياً لها باكياً على حياته إذ كان يعلو وجهُهُ الخجلُ إزاء احترام الناس له والثناء عليه، وكان يُحرق الرسائل التي تَرِد إليه إنْ لَمَسَ فيها مديحاً أو شكراً له. وكان يقول مِراراً "لو وجد الربُّ تحت يدِهِ آلةً أحقرَ مني لاستخدَمَها ليعمل بها الخير الذي يصنعُهُ على يدي".

 

إكـــرام

     إذا أردنا أن نربحَ السماء علينا أن نتحلّى بفضيلة التواضع… وسماؤنا هي على هذه الأرض في الاقتداء بمثال المسيح معلِّمِنا.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس … املأ قلبي بنعمة التواضع

 


اليوم السادس عشر

تأمل في أن قلب يسوع مثال المحبة

 

     "هذه هي وصيتي أنْ يُحِبَّ بعضُكُم بعضاً كما أنا أحببتُكُم" (يو 12:15)، هذه هي الوصية العظيمة التي تركَها لنا المسيح، فلا جدال في أنَّ الديانة المسيحية هي ديانةُ المحبةِ والسلام، فقد تأسست على المحبة وانتشرت في المحبة وبذل الحياة من أجل الآخرين. فالإنجيل كتابٌ مفتوح إلى حبِّ الآخرين فالرب يسوع يقول:"ليس حبٌّ اعظم مِن هذا مِن أنْ يبذُلَ الإنسان نفسَه عن أحبائِهِ" (يو 13:15)، وأيضاً "كما احبَّني الآب كذلك أنا أحببتُكُم فاثبتوا في محبتي" (يو 9:15)، وكما يقول للمجدلية "إنَّ خطاياها الكثيرة قد غُفِرَت لها لأنها أحبَّت كثيراً" (لو 47:7)، وسفر أعمال الرسل يقول "غاية الوصية المحبة من قلبٍ طاهر وضميرٍ وإيمانٍ بلا رياء" (أع 32:4)، و"مَن أحبَّ      القريب فقد أتمَّ الناموس"، ومار بولس يصرخ ويقول "لو كنتُ أنطق بألسنةِ الناس والملائكة ولم تكن فيَّ المحبة فأنا نحاسٌ يطنُّ أو صنجٌ يرنّ، ولو كانت ليَ النبوّةُ وكنتُ أعلمُ جميعَ الأسرار والعالم كلَّه ولو كان لي الإيمان كلَّه حتى أنقلَ الجبالَ ولم تكن فيَّ المحبة فلستُ بشيء" (1كو 1:13-13). أجل إنَّ حياةَ ربِّنا يسوع من المذودِ إلى الصليب ما هي إلا أفعالُ محبةٍ متواصلة وبذلُ الذات من أجل الآخرين وفي خدمتِهِم من أجل خلاصِهِم. وأجمل مَثَل يكلِّمُنا به المسيح في العمل بالمحبة مع الآخرين هو قصة السامري الصالح، ومن هذا المثل نُدرك عظمةَ المحبة التي علّمنا إياها قلبُ يسوع حيث بذل دَمَهُ من أجلِ حياتِنا ليعيدَنا من حياةِ الخطيئة إلى حياةِ النعمة وينقّينا من جميع الأدران. فبموتِهِ أحيا موتَنا وأنعَشَنا وأعادَنا إلى أحضانِ الآب السماوي.

 

خبـــر

     عُرِفَ القديس فرنسيس الأسيزي بالمحبة التي كانت مضطَرِمة فيه، فقد كان يوجِّه كلَّ عواطِفِه وأفكارِهِ إلى الله تعالى إذ كان يسمو شَفَقَةً بما يمثِّله في كلِّ شيء ويراه في كلِّ مكان ولاسيما في سرِّ القربان المقدس وعلى الصليب. فقد كان حبُّه للصليب وليسوع المصلوب والتعلُّق بهما حباً كبيراً. وقد بلغ في محبتِهِ الشديدة له إنه كان في الصلاة يُختَطَف بالروح كثيراً فيرتفع من الأرض ويلتحف بنورٍ سماوي بينما يكشف له الله مستقبلات الحوادث وخفايا القلوب. ومكافأة له على شدة محبته، مدَّ يسوع يوماً يدَه اليمنى من على الصليب وأخذ يعانقُ القديس فرنسيس ويحتضنُه ويضمُّه إلى صدرِهِ.

 

إكـــرام

     تأمل بروحِ الإيمان عظمة المحبة التي بها افتداكَ قلبُ يسوع بدمِهِ، وهو يدعوكَ اليوم وكلَّ يوم أن تحملَ  هذا الحب إلى الآخرين عبر العطاء بدون حدود كما أعطاكَ كلَّ الحب على الصليب.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس أضرِمْ قلبي بنارِ حبِّكَ الإلهي


اليوم السابع عشر

تأمل في إحياء الساعة المقدسة

 

     الساعة المقدسة ساعةُ سجودٍ وعبادة، ساعةُ محبةٍ قلبية، وساعةُ تكفيرٍ وتفكير، ساعة تأمل أمام سر الحب الإلهي، حيث يتأمل المسيحي محبة الله الآب الذي أرسل ابنَه لخلاص البشر فتألَّمَ وتعذَّبَ ونازعَ في بستانِ الزيتون من أجلِ الإنسان.

     إنَّ الربَّ يسوع هو الذي طلَبَ من القديسة مرغريت مريم ممارسةَ هذه الساعة المقدسة وعلّمها إياها وشرح لها قساوة العذاب الذي تحمَّله من أجل أنْ تَكمُلَ إرادةُ الآب السماوي. ومن المعروف إنَّ الساعة المقدسة كانت تقام كلَّ مساءِ يوم أول خميس من الشهر والغاية منها التماس الرحمة ونيل النعمة للخطأة والتعويض عن الإهانات التي تصدر من الإنسان بحقِّ حب الله. فإحياء هذه الساعة _ ويا للأسف التي أُلغيت في كثير من الكنائس _ هي كرياضة درب الصليب فهي تُدخلنا في عالم الروح ودرجة قُربِنا أو بُعدِنا من إرادة الله وثمَّ ننال النِعَم لتقوية قلوبَنا لمواصلة مسيرة الحياة رغم ظروفها الصعبة. فالمسيح نفسُه طلب من الآب السماوي أنْ يكونَ في عونِهِ إذ قال:"يا أبتِ إنْ شئتَ فأجِزْ عني هذه الكأس ولكن لا مشيئتي بل مشيئتُكَ" (لو 42:22).

     فيسوع رسم لنا هذه الساعة كدعوة لنقاسمَه عبءَ الألم الذي احتملَه ونشاركَه ولو ساعة واحدة في الصلاة والتأمل والمناجاة (متى 40:26)."لم تقدروا أنْ تسهروا معي ولو ساعةً واحدة" فهو يريد أنْ يكشفَ لنا كنوزَ قلبِهِ الأقدس ليعزّي عن قلوبِنا البائسة ويغمرَها بالأفراح السماوية… فالصلاة في هذه الساعة تجعلنا أنْ نضعَ الله في قلوبِنا ويقودَنا بدورِهِ نحو طريق السماء.

 

خـــبر

     في إحدى تجليات القلب الإلهي للقديسة مرغريت مريم قال لها:"إني سأكون قوتَّكِ فلا تخافي البتة بل أصغي إلى صوتي وانتبهي إلى ما أطلبه منكِ لتعملي برغائبي فاقبليني في سرِّ القربان كما أذِنَت لكِ الطاعة، وما يلحق بكِ من المذلاّت والإهانات فاقبليه دلالةً على حبي. سأشرِكُكِ في الحزنِ المفرط الذي شئتُ أنْ أعاينَه في بستان الزيتون مما يجعلكِ بدون أن تُدركي في نوعٍ من النـزاع أشدَّ من أهوالِ الموت عينِهِ ولكي تصحبيني في هذه الصلاة الخشوعية التي قدَّمتُها لأبي مع جميع أحزاني. ستنهضين في الساعة الحاديةَ عشرةَ إلى نصف الليل وتظلّينَ منكبَّةً على وجهِكِ على الأرض ساعة واحدة تهدئةً للغضب الإلهي طالبةً الرحمة للخطأة ولتخفّفي بعض التخفيف الكآبة التي شعرتُ بها من جرّاء ترك تلاميذي حتى اضطررتُ إلى معاقبتِهِم على إهمالِهِم ولأنهم لم يقدِروا أنْ يسهروا معي ساعة واحدة".

 

إكـــرام

     شاركْ في ساعةِ السجود والصلاة التي تقام أمام القربان المقدس التي تجعلُكَ أنْ تتأمل عظمة حب الله لنا ووجودِهِ بيننا وادعُ آخرين إلى هذا التأمل.

 

نافـــذة

يا قلب يسوع الأقدس اجعلني أقدم لكَ السجودَ اللائقَ كل أيام حياتي


اليوم الثامن عشر

تأمل في تقديس أول جمعة من الشهر

 

     إنَّ أول جمعة من كل شهر هو اليوم الذي اختاره الرب يسوع لتعزية قلبِهِ الأقدس المطعون بالحربة بسبب خطيئة الإنسان، فعلى كل مسيحي أنْ يقدّسَ هذا اليوم. فقد قالت القديسة مرغريت مريم التي أوحى لها يسوع بأنه "على النفوس التي تتوق إلى إكرام القلب الأقدس أنْ تتّخذ لهذه الغاية كل أول جمعة من الشهر وتقدم حسب تقواها بعضَ أعمالٍ تَقَوية إكراماً له". وأضافت القديسة قائلةً: في ذات اليوم إذ كان القربان المقدس معروضاً ظهر لي الرب يسوع بجراحِهِ الخمسة بمجدٍ عظيمٍ قائلاً:"استمعي لي يا ابنتي وأصغي إلى ما أطلبُهُ منكِ. تناولي في أول جمعة من كل شهر" فالرب وسيدي أمرني بهذه المناولة إرضاءً لعدلِهِ الإلهي وتعويضاً عن الإهانات اللاحقة به في سرِّ القربان المقدس طيلة أيام هذا الشهر. وفي الجمعة بعد التناول المقدس قال لي الرب أنا غير المستحقة أنْ أكونَ أَمَةً له:"أعدكِ بواسع رحمتي بأنّ الذين يتناولون تسعَ مراتٍ متتالية في يوم الجمعة الأولى من الشهر تجود عليهم محبتي القديرة بنعمة التوبة الأخيرة، فيموتون في الصلاح ويقتبلون الأسرار المقدسة ويكون قلبي الإلهي لهم    ملجأً أميناً في ساعتِهِم الأخيرة". فالذين يرغبون في تكريم هذا القلب الأقدس يكرِّسون له كل أول يوم جمعة من الشهر ويعتبرونَه عيداً شهرياً أنشأه ربُّنا يسوع نفسُه ليكون يوم الجمعة يوم التعويض ويقدّمون له إكراماً خاصاً كل واحدٍ بحسب تقواه واثقين بأنّ التعزية والخيرات الروحية والزمنية تتدفّق عليهم من هذه العبادة الجليلة… "إنه حقاً اليوم الذي صنعه الرب" (مز 24:117).

 

خبـــر

     في عام 1720 وبعد وفاة القديسة مرغريت مريم بثلاثين سنة تفشّى طاعونٌ فتّاك في مدينة مرسيليا بفرنسا ولم تُجْدِ الصلوات والتكفيرات في استئصال هذا الوباء وقد بلغ عدد ضحاياه أربعين ألفاً ونيف، فألْهَمَ الله أسقفَ المدينة واصطحب معه عدداً كبيراً من الكهنة الرهبان وشعب رعيته وأمرهم كلَّهم أن يكونوا حفاةَ الأقدام نحو ساحة المدينة. وهناك جثا الأسقف على الأرض وكرّس رعيتَهُ لقلبِ يسوع الأقدس. وفي اليوم نفسِهِ توقف سير الطاعون بسرعةٍ عجيبة حتى إنه لم تحصل وفاة في مرسيليا بعد ذلك اليوم. ولما رأى حاكمُ المدينة وكبارُ قومِهِ ما حصل اشتركوا هم أيضاً في التطواف الكبير وكرّسوا أنفسَهم والمدينةَ كلَّها لقلبِ يسوع. وهذه الرواية التاريخية يشهد لها المحضر الذي وقّعه جميعُ الأعيان وذكرها أسقف مرسيليا في مذكراتِهِ اليومية فانقطع الطاعون فجأةً ومنذ ذلك الحين عُرِفَتْ مرسيليا بالمدينة المستَعْبَدة لقلب يسوع الأقدس الذي غمر المدينةَ بأجَلِّ النِعَم وأغزرها.

 


إكـــرام

     حاول أنْ تشتركَ في السجود للقربان المقدس كل أول جمعة من الشهر وشارك مع جمعيات القربان واعمل على إيصال رسالة المحبة التي يحملُها قلب يسوع إلى البشر. وليكن لكَ هذا السجود تكفيراً وتعويضاً عن خطايا العالم الجسيمة.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس إني أكرّسُ لكَ قلبي حباً بكَ


اليوم التاسع عشر

تأمل في أنّ قلب يسوع يدعونا إلى الاشتراك في الذبيحة الإلهية

 

     إنّ من أهم وأعظم رغبات قلب يسوع الأقدس المشاركة في الذبيحة الإلهية التي ما هي إلا تجديد لذبيحةِ الصليب حيث يسوع ذاتُه هو الكاهن مقدّم الذبيحة وهو الضحية معاً. ففي القداس تكون ذبيحة الشكر والسجود لله بالمسيحِ يسوع، والذبيحة لها استحقاقات أكثر من كلِّ عملٍ صالح تأتيه الخلائق الموجودة والممكن وجودها. فالقداس هو صلاةُ شكرٍ كاملة للنِعَم الغزيرة التي منحَنا إياها الرب، ونعمتُه الكبرى هي خلاصُنا من الموت على الصليب. إنّ العالمَ بحاجةٍ إلى أمورٍ كثيرة ويستغفر استمداداً للنِعَم وهو يُلحِق إهاناتٍ عديدة بالله وبعدلِهِ ولكن المسيح بدمِهِ افتداه وفي الذبيحة الإلهية يقدّم ذاتَه كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ، إذ قال أحدُ القديسين:"لولا القداس الإلهي لخَرُبَ العالمُ خراباً". فيسوع فوق المذبح هو الدعامة المتينة التي تحمي العالم المُثقَل بالآثام من الانهيار والدمار.

     يروي أحد قبطان السفينة: إنّ سفينةً كانت تمخُرُ عِبابَ البحر فهبّت عاصفةُ رياحٍ قوية وارتفعت الأمواجُ وأوشكت السفينةُ على الغَرَقِ فوقع نظرُ القبطان على طفلٍ صغيرٍ فأخذه وحملَه ورفعَه فوقَ هامتِهِ هاتفاً "يا رب، من أجلِ هذا الصبي نجِّنا من الغرقِ" وما هي إلا مدةٍ قصيرة حتى هدأت الرياح وسكنت الأمواج وسارت السفينةُ بأمانٍ وسلام… هكذا الله يرى آثامَ الناس ولا يُنزِل فيهم الضربات القاسية إكراماً للذبيحةِ الإلهية التي يُقدَّم فيها يسوع لله الآب ويقول "ارحمهم  يا أبتِ السماوي من أجل الدم الذي سُفِكَ لأجلهم".

     نعم، بواسطة القداس يُمطر الله على العالم بأسرِهِ نِعَماً غزيرة روحية وزمنية. إذ يقول القديس كيرلس الأورشليمي:"إننا في أثناء الذبيحة الإلهية غير الدموية التي نقدمها لله نلتمس أنْ يَهِبَ الله الهدوءَ والسلام للكنيسة وللعالم ويمنح النِعَم اللازمة للمرضى والبؤساء والحزانى ولجميع المحتاجين"… ونحن أعضاء الكنيسة إذ نشترك في القداس نشترك في كافة خيرات الكنيسة بحكم شِركة القديسين. فالمسيح يقدّم ذاتَه قرباناً على كلِّ واحدٍ منا فيصبح لكلِّ مَن يشترك الحق بأنْ يخصِّصَها لنفسِهِ ويقدِّمَها لله بالمسيح يسوع ذبيحةَ شكرٍ وسجود، ذبيحةَ استغفارٍ وابتهال، فالله يرتضي بمشاركة الجميع في ذبيحة ابنه الواحدة، فهي لنا ومن أجلِنا.

 

خبـــر

     كان أحد القديسين يهتف دائماً "إلهي، إلهي، ليتَ لي كلّما ردَّدتُ أنفاسي أنْ أخلُقَ لكَ طوائِفَ من الملائكةِ والقديسين ليمجِّدوكَ ويشكروكَ ليلاً ونهاراً" فأفهَمَه الرب إنه جعل بين يديه وساطة تمكِّنَه من تقديم تمجيدٍ أعظم من ذلك التمجيد الممكن أنْ تأتيه الخلائق التي يتمنى خلقَها، وما هذه الوساطة العجيبة إلا ذبيحةَ القداس. فالذبيحة ليست الخليقة هي التي تكرم الله وتمجِّده بل خالق البرايا ابن الله المساوي لأبيه، ولذا فالمجد الذي يقدِّمُه كلُّ الملائكة والقديسين لله لا يوازي المجد الذي يُقَدَّم لله بواسطة قداسٍ واحد.

إكـــرام

     حاول أنْ لا تستهينَ بيومِ الرب، فقلب يسوع الأقدس يدعوكَ إلى أنْ تشارِكَ مع عائلتَكَ في ذبيحةِ القداس وتتقدمَ من المناولة فهي غذاءُ الأنفسِ وغذاءُ الحياة.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع كن قوتاً لمسيرة حياتي


اليوم العشرون

تأمل في ممارسة التناول اليومي

 

     "مَن يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياةُ الأبدية" (يو 56:6) بهذه الكلمات رسم لنا الربُّ يسوع سرَّ الافخارستيا، سر غذائِنا الروحي، وقال أيضاً:"إنَّ جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ" (يو 55:6). كما نطلب الخبزَ اليومي علينا فإنَّ نفسَنا أيضاً بحاجة إلى قوتِ الحياة وهو التناول اليومي الذي يجعلنا دائماً في حضرة الله ومتحدين به كلَّ ساعة من نهارِنا لا بل من مسيرةِ حياتِنا الأرضية. ومنذ تأسيس سر الافخارستيا حيث أكلَ يسوع العشاء الفصحي مع تلاميذِهِ وسلّم لهم فصحَ العهد الجديد لا تفتأ الكنيسةُ تعمل بكلِّ ما في وسعِها على أنْ تنشرَ هذه العبادة وهي التناول اليومي بين أبنائِها. ففي سفر أعمال الرسل نقرأ "إنَّ المسيحيين الأولين كانوا مواظبين على تعاليم الرسل والشِركة في كسر الخبز والصلوات" (أع 42:2). وهذا ما تدعو إليه الكنيسة اليوم أيضاً في الاشتراك في الذبيحة الإلهية والتناول وبالخصوص يوم الرب، لأن الاشتراك في الذبيحة الإلهية وتناول جسد الرب أمران متلازمان لا ينفصلان. وهذا ما سعى إليه آباء الكنيسة حيث بذلوا جُلَّ عنايتِهم في تحريض المؤمنين على التناول اليومي، فقد قال القديس امبروسيوس:"هذا الخبز هو يومي فلماذا لا نقبله إلا مرة في السنة ؟" والقديس اغسطينوس يخاطب شعبَه قائلاً:"إننا خطأة نرتكب الخطايا كلَّ يوم فلنتناول إذاً كلَّ يوم" وأراد بذلك أنْ يُفهِمَنا أنَّ خيرَ علاج لضعفِنا البشري وأكبر قوة لنا لتجنّب العثراتِ اليومية هو التناول اليومي.

     كما واصل الأحبار القديسون تحريض المؤمنين أيضاً على التناول اليومي وبالأخص البابا القديس بيوس العاشر وإلى يومِنا هذا يحثّون الشعبَ المسيحي على التناول رغم كلِّ الصعوبات والعقبات التي ربما تعترض هذه المسيرة الروحية وتَحُولُ دون الاقتراب إلى المائدة المقدسة… فلذا على المؤمن أنْ يهيّئَ نفسَه طاهراً لأن التناول هو واسطة لتقديس نفوسِنا، وهذه سِمَةُ حياتِنا الروحية أنْ نحيا بحضرةِ الله دائماً في أكلِ جسدِ الرب وشربِ دمِهِ.

 

خبـــر

     عُرِفَ عن الواعظ الفرنسي الشهير لاكوردير وهو المعروف عنه بواعظ كاتدرائية نوتردام في باريس وكان مديراً لمعهد للشبان المسيحيين، فقد عوَّدَهم في حياتِهم على إنماء الحياة الروحية عبر الاشتراك في الذبيحة الإلهية وتناول جسد الرب ودمِهِ كلَّ يوم واتفق أنه  يوماً فارقهم لقضاء واجب ديني في إحدى القرى التي كان يقصدُها مشياً على الأقدام بإلقاء مواعظ فيها، وكان يعود في آخر النهار إلى معهدِهِ ليتسنى له أنْ يقيمَ الذبيحةَ الإلهية في الغد ولا يَحرم هؤلاء الشباب يوماً واحداً من نعمة التناول اليومي. وكان في بعض الأحيان يلحُّ عليه كاهن الرعية بأنْ يقضي الليلةَ عندَه ليستريحَ من عناءِ المشي فكان يرفض قائلاً:"لا، لا يا عزيزي فإني أفضِّلُ أنْ أمشيَ ساعاتٍ طويلة وأعود إلى أبنائي على راحتي وبقائي هنا لأنه لا يمكننا أنْ نَحصى الثمارَ الروحية والمفاعيل الخلاصية التي يفقِدُها المسيحي بحرمانِهِ من مناولة واحدة.

 

إكـــرام

     كان القديس الفونس دي ليكوري يقول:"إنه لا يمكننا أن نتمثَّل أو نعمل شيئاً أشدَّ استحساناً لدى قلب يسوع من تناول القربان المقدس… وهذه دعوةٌ مجانية إلينا لنكتشفَ أنَّ المناولةَ غذاءٌ لأنفسِنا وقوتٌ لمسيرتِنا الأرضية.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع، يا مَنْ احتجبَكَ حبُّكَ في القربان ارحمنا

 


اليوم الحادي والعشرون

تأمل في الاحتفاء بعيد قلب يسوع الأقدس

 

     كان لشعبِ العهد القديم أعيادٌ تذكارية فيها تُذكَر عظمةُ الله ومسيرتُه مع الإنسان، هكذا أحبَّ يسوع في عهدِنا الجديد أنْ يجعلَ عيداً لقلبِه الأقدس. فقد قال الربُّ يسوع للقديسة مرغريتا مريم بعد أنْ أراها قلبَه الأقدس:"هوذا القلب الذي أحبَّ البشر غايةَ الحب وأنا لا أرى منهم إلا النكرانَ عِوَض الشكران ولا أجد إلا الاحتقارَ والإهاناتِ والنفاقَ والفتورَ نحو سر محبتي. والذي يُحزنني كلَّ الحزن أنّ ذلك يصدرُ من قلوبٍ خصَّصَتْ ذاتَها لي. ولهذا أطلب أنْ يُقامَ في اليوم الواقع بعد ثمانيةِ أيام لعيد الجسد وهو الجمعة عيدٌ حافلٌ لتكريم قلبي وليتناول فيه المؤمنون القربان المقدس تعويضاً عن خطاياهم التي تُلحِق بي الإهانات في سرِّ محبتي، وهاأنذا أعِدُكِ بأنَّ قلبي يمنحُ نِعَماً وافرة وبركاتٍ غزيرة لأولئك الذين يُكرِمونَه أو يَسعونَ لإكرامِهِ على هذه الصورة".

     فيسوع يطلب عيداً يُخَصَّص لقلبِه الفادي فهو الذي بذل نفسَه عن أحبائِهِ (يو 12:15)، فالغاية من هذا العيد هي تجديد حب يسوع كما يوضِّحه قداسة البابا بيوس التاسع في فرض عيد قلبه الإلهي في الكنيسة كلِّها قائلاً:"إننا أردنا بهذا العيد أنْ نذيعَ عبادةَ قلب يسوع الفادي في كلِّ الآفاق لتتأصَّل في قلوبِ المؤمنين فتشتعل فيهم المحبة التي فَتَرَتْ وانطفأت وتتأجَّج بلواعج الحب الإلهي"… وقد أراد الربُّ في هذا العيد التعويضَ عن الإهانات التي تَلحَقُ به من الخطأة وهو الذي علَّم نفسَه طريقةَ التعويض التي يريدُها فقال لأمَتِهِ القديسة مرغريتا مريم:"ليتناولَ المؤمنون تعويضاً عن خطاياهم" فالتناول يُعيد الخروف الضال إلى الحظيرة (متى 12:18) ويُعيد الابن الضال إلى بيتِ أبيه (لو 18:15) فالاحتفال بعيدِ قلب يسوع هو دعوة لنا لتجديد عمقِ محبةِ الإنسان تجاه محبةِ الله.

 

خبـــر

     في أحد الأيام تراءى يسوع للقديسة مرغريتا مريم وكان ينبعث من جروحِهِ الخمسة ولاسيما جرح جنبِهِ الأقدس ألمٌ كبير فذكَّرَها بحبِّه غير المتناهي للبشر وقال لها:"خفّفي أنتِ على الأقل من آلامي بالتعويض عن خياناتِ البشر بقدر ما تستطيعين" فاستعظمت القديسة هذا العمل وسألت يسوع قائلةً:"وكيف يسعُني أنْ أفعلَ ذلك ؟" فأراها يسوع قلبَه الإلهي وقال لها:"هاكِ ما يَسِدُّ عِوَزَكِ" وأرسل إليها في الحال بشعاعٍ من أشعة نارِ قلبِه الأقدس فاضطرمَ قلبُها بهذا الشعاع حباً، ثمَّ أعلَمَها بما يجب عليها أنْ تفعلَه لتُفعِمَ قلبَه سروراً وتعزيةً وهو التناول في أولِ جمعةٍ من الشهر وفي يومِ عيد قلبِه الأقدس.

 إكـــرام

     عيد قلب يسوع هو عيدُ العائلة الواحدة، فهو القلب الذي أحبَّكَ حتى الصليب، إنه حبٌّ سماويٌّ صافٍ فهو يدعوكَ إلى أنْ تنشرَ هذا الحب وعلاماتِهِ أمامَ أفرادِ عائلتِكَ وأصدقاءكَ.

 

 نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس اجعلني أحبكَ كما أحبَبتَني


اليوم الثاني والعشرون

تأمل في النعم اللازمة لدعوة كل إنسان

 

     الناسُ طبقاتٌ وحالاتٌ ودَعَواتٌ مختلفة ومتفاوتة، فمنهم الغني ومنهم الفقير، منهم كهنة ومنهم علمانيون، منهم عمال وآخرون أصحابَ معامل ومهنٍ حرة، هناك تجّارٌ وهناك العاملُ في مجالاتِ الحياةِ المختلفة: الطب، الهندسة، وغيرها، كل هؤلاء منهم مَن يتنعَّم بالصحة والعافية ورَغَدِ العيش وآخرون يتألمون من مرارةِ العيش وشقاء الحياة… ولكن لكلِّ واحدٍ من هؤلاء دعوةٌ خاصة ورسالةٌ عليه أنْ يؤدّيها، كما يتعيّن عليه أنْ يكونَ أميناً لرسالتِهِ ولمهمتِهِ والوكيل عليه أنْ يكونَ أميناً (متى 45:24). وهذه الواجبات من أجل تأديتها لابد من مُعينٍ يمدُّ يدَ المساعدة لتقومَ بواجبِها أحسنَ قيام. فمَن يا ترى يعينُنا ومَن يساعدُنا ؟… نعم، هي يدٌ واحدة فيها الحب والقوة، فيها الأمل والحياة، يدٌ قادرة وقلبٌ حنون، إنها يدُ المخلِّص الذي فدانا بحبِّ قلبِهِ وهو الذي وعد        المتعبّدين له أنْ يكونَ لهم يدَ العونِ والمساعدة إذ قال:"إني أهبَهُم كلَّ النعم اللازمة لهم في دعوتِهِم".

     فما عسى أنْ تكونَ هذه النِعَم الموعودة ؟ فللفقير هي نعمةُ الصبرِ على مضضِ الحياة، وللغني التجرّد عن المال والعطف على الفقير، وللعامل الرضى بحالتِهِ وعملِه والخدمة بالصدق والأمانة، ولصاحبِ العمل العدالة والرفق، وللكاهن القيام برسالتِهِ الكهنوتية بغيرةِ خلاص النفوس، وللرهبان والمكرّسين ليسهروا لخدمة رسالة المسيح عبر الكنيسة، وللعلماني خدمة عائلتِه وتربية أولاده بخوفِ الله والسهر على عيش الإيمان وغيرهم، وكل هذا يطلب منا العيش والعمل بمحبة واستقامة وإنصاف. ولهؤلاء كلِّهم يوجّه قلبُ يسوع نداءَ حبِّه لهم إذ يقول:"تعالوا إليَّ يا جميعَ المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 28:11)، "وهو الذي يعطي كلاًّ حسب طاقاتِهِ" (متى 15:25) وحسب ما وَعَدَ له لأنه أمين.

     أجل، علينا أن نعتمدَ على عطاءِ الرب وما وَهَبَ لنا من نِعَمٍ، وكلَّما ثقُلَت علينا المصاعب فلنقبَلها  لأمانة دعوتِنا ولا نقول إلا ما قالته العذراء "ليكن لي حسبَ قولِكَ" (لو 38:1).

 

خبـــر

     كُتُب تاريخ فرنسا تروي لنا أنَّ لويزة ابنة لويس الخامس عشر ملك فرنسا أحبّت أنْ تترهب في أحد الأديرة الكرملية في باريس، فتركتْ قصرَ والدِها. ومرَّ يوماً أحدُّ كبارِ المسؤولين من بلاطِ الملك لزيارة الدير فسأل عن الأميرة فما إنْ رآها بحالة البساطة وفقر سكناها قال:"عجباً كيف تسكن ابنة ملوك فرنسا في هذه الحالة ؟" أجابته لويزة:"نعم، كن على يقين يا سيدي إنني في هذا الدير أجد راحتي أكثر مما كنتُ في قصور فرساي ورغم حياة التقشف التي أعيشها فإنّ جسمي رغم ضعفه بحالة صحية جيدة ولم أنل في محلٍ آخر ما نِلْتُهُ من صحةٍ وعافية… وهذا واقع الحياة إذ أنَّ الرب يَهَبُ النِعَم لكلِّ إنسانٍ وكلٌّ حسب دعوتِهِ وهذه وعود قلب يسوع المحب لكلِّ مَن يطلب إليه". فهتف الزائرُ:"كم هي عظيمةٌ كلمة الله".

إكـــرام

     مهما كَثُرَت مشاغلُكَ وازدادت مسؤولياتُكَ وثَقُلَتْ أحمالُكَ لا تستسلم أبداً لليأسِ والقنوط والفشل، بل ضعها كلَّها في حبِّ قلبِ يسوع الأقدس فيهبُكَ العزاءَ والنعمة.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس أنتَ نعمتي في الحياة

 


اليوم الثالث والعشرون

تأمل في العيش بسلام في العائلة

 

     هذا وعدٌ آخر من وعودِ قلب يسوع للقديسة مرغريتا مريم. فالسلام علامةُ وجودِ الله في العائلة، فهو راحةُ النفس، وسعادةُ القلب، وذلك بتجانسِ النفس وائتلاف القلوب وانسجام الطباع. فالسعادة التي عاشتها عائلةُ الناصرة رغم كونها صغيرة وفقيرة مثالٌ للعوائلِ المسيحية لتقتدي بها. فالحب هو الذي يجمع قلوبَ أفرادِ العائلة في توافقِ الآراء والأفكار ووحدة الهدف والغاية. فالسلام إذا ما ساد بين أفراد العائلة زالت عوامل الشقاق والخصام واستوثقت روابط الحب والوئام. نعم، إنّ السلام ربما تراه العائلة صعبَ المنال لاختلاف الطِباع وتباين الآراء وتقدّم الحياة وتطورها ولكن لا شيء صعبٌ مع الله (متى 26:19). وللأسف كثيرةٌ هي العائلات التي يسود النفورُ بين أعضائِها ولأسبابٍ بسيطة تزول الرابطة وينقلب الحبُّ نقمةً. وكل ذلك يرجع إلى أنَّ الله غائبٌ عن تلك العائلة، فالإيمان سطحي والعقيدة في القلوب دون حياة وتكون العاقبة وخيمة والنتائج مؤسفة.

     وهاهو ذا قلب يسوع يَعِدُ المتعبّدين له بإعادةِ السلام إلى العائلة، فقد قال للقديسة مرغريت مريم "بأنَّ العبادة لقلبِهِ الإلهي هي أسهل الطرق المؤدية إلى إرجاع السلام والاتحاد بين العائلات المتفرقة القلوب" فعبادة قلب يسوع تُفيض النِعَمَ السماوية على أفراد العائلة وتعمل على توحيد الآراء والأفكار وتجمع بين الغايات والرغبات فيصبحون فكراً واحداً وقلباً واحداً وروحاً واحداً.

 

خبـــر

     مَن مِنّا لا يعرِف بادري بيو، إنّه راهبٌ كبوشيٌّ وُلِدَ في قرية بيترلشينا الواقعة في الجنوب الشرقي من إيطاليا، وعُرِفَ منذُ صِغَرِهِ بحبِّه للصلاة والتعبّد والتأمّل، وفي 6/1/1903 دخل دير الآباء الكبوشيين في موركوني وفيه بدأ يمارس حياةَ التقشف والتعبّد لقلبِ يسوع الأقدس وأخذ يكتفي بتناول القربان المقدس يومياً علامةَ اتحاد بحب القلب الإلهي. أبرز البادري بيو نذورَه المؤبدة في 25/1/1907 وقد اقتبل الرسامةَ الكهنوتية في 10/8/1910 ويومَ رسامتِهِ قال "كم أنا سعيدٌ تماماً فإنَّ قلبي يحترقُ بحبٍّ أكثرَ شدةً من أي وقتِ مضى وما هي هذه السعادة التي أشعر بها إذ بدأتُ الآنَ أتذوّقَ نعيمَ السماء" فأهدَتْه السماء سِماتِ جروحاتِ المسيح… ومع هذا عاش بكلِّ سلامٍ مع الله ومع رؤسائِه وأخوتِهِ في العائلة الرهبانية، وقد كان يُقيمُ يومياً صلاةً خاصة لإكرامِ قلب يسوع ويتلوها على نيَّةِ كل مَن يطلب صلواتِهِ. وهكذا عاش بادري بيو رغمَ آلامِهِ بكلِّ سلامٍ وهدوء بين اخوتِهِ الرهبان ورقَدَ في الرب في 23 أيلول 1968.

     في 2 آبار 1999 أعلنَه البابا يوحنا بولس الثاني طوباوياً على المذابح، وفي 16 حزيران 2002 أعلنه البابا نفسه قدّيساً للكنيسة الجامعة… نعم، إنَّ مَن يتعبّد لقلبِ يسوع ينالُ نِعَماً خاصة تجعله يعيش بسلام الأيام رغم صعوبات وجروحات الدنيا.

إكـــرام

     حاول يا ربَّ العائلة أن تصطحِبَ أفرادَ عائلتِكَ للاشتراك في صلوات شهر قلب يسوع، وكن أكيداً أنك حين ترجع إلى بيتِكَ ستجد السلامَ هو الذي يسود على القلوب ويكون لكم راحةَ الضمير.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس اجعل سلامَكَ يسودُ على عوائلِنا

 


اليوم الرابع والعشرون

تأمل في أن قلب يسوع هو تعزية في الأحزان والشدائد

 

     الهموم تملأُ الدنيا، والأوجاع والأمراض تصيب الكثير من الناس، المصائب والأشجان تُثقِل كواهل الكثير، ضيقٌ وبلاءٌ وغلاءٌ في كلِّ مكان، قلوبٌ كان يُرجى منها الحب والوفاء فخيّبت الآمال… وهكذا كان الألمُ في بستانِ الزيتون أمامَ يسوع حيث تراءت له بما تحمله من عذاباتٍ وشدائد مما دعاه أنْ يصلي إلى الآب السماوي قائلاً:"إنْ كان ممكناً أنْ تعبُرَ عني هذه الكأس ولكن لا مشيئتي بل مشيئتكَ يا رب" (لو 42:22) وهكذا أناط كلَّ حزنِه وألمِه بمشيئة أبيه السماوي فظهر له الملاك من السماء معزّياً إياه ومقوّياً له في الضيق. نعم، إنَّ ملاكَ بستان الزيتون هو ملاكُ الرحمة، ملاكُ التعزية يُرسله الله الآب إلينا ليكونَ معنا في ضيقاتِ مسيرة الحياة اليومية. ويسوع وعد متعبدي قلبِه بهذا الملاك إذ قال:"إني أعزّيهم في ضيقاتِهم" فقد عزّى أخوات لعازر _ مريم ومرتا _ شاركَهنّ أَلمَهنَّ إذ بكى على لعازر (يو 35:11)، تحنَّنَ على الأم الثَكلى فأحيا ابنَها (لو 15:7)، وتحنَّنَ على الجموعِ الجائعة فأكثَرَ لهم الخبزَ وأشبعَهم (متى 19:14)، شفى المرضى وقوّم العُرْج، طهّر البُرْصَ وفتح أعين العميان، ومن المؤكد إنَّ قلبَ يسوع يواصل رسالتَه المُحِبَّة والسماوية هذه لأجيالِنا وللأجيالِ القادمة فيحمل إليهم رسالةَ عزاءٍ وحنان، رسالةَ حنانٍ ومحبة.

     وهذا ما دفع الشهداء والقديسين أن يكونوا أقوياء أمام الألم وراحة القلب أمام العذاب والاستشهاد وجعلوا من حياتِهم ترنيمةَ شكرٍ وتسبيحٍ لعظمة الإيمان وامتثالاً بمعلّمِهِم الفادي _ لمسيح يسوع _ إذ كان ملاكُ السماء يعزّيهم في كلِّ ضيقاتِهم.

 

خبـــر

     الأخت ماري المكرَّسة للقلب الإلهي والتي توفيت عام 1899 إحدى راهبات الراعي الصالح. كانت في صِباها تنفرُّ من الحفلات العالمية وتعمل مكرِّسةً نفسَها لخدمة الكنائس والفقراء، ولما دخلت الدير عام 1889 كانت طوال حياتِها قدوةً في التضحية وخدمة الآخرين فكافأها الرب يسوع بِنِعَمٍ غزيرة وظهر لها مرةً عام 1897 وأمرها أن تطلبَ من البابا لاون الثالث عشر تكريس العالم بأجمعه لقلبِهِ الإلهي. فأطْلَعَتْ الحبر الأعظم على رغبة يسوع، فكرّس قداستُه جميعَ البشر لقلب يسوع في 11 حزيران 1899 وقد صرّح بأنّ ذلك أعظم عمل قام به طوال مدة حبريته. ولما بلغها هذا الخبر وهي على فراش الألم دنت ساعتُها الأخيرة. ومن أجمل أقوالِها في شأن العبادة لقلب يسوع "لقد أدركتُ أنَّ عبادةَ قلب يسوع ملازمةٌ للتضحية ولحبِّ الآلام، وإنَّ يسوع يعزّي قلوبَ المتألمين من أجله فصرتُ اشتهي العذاب لأني فهمتُ أنَّ دعوتي هي أنْ أتألم مع يسوع وحباً بيسوع فطلبتُ منه أنْ يجودَ عليَّ بالآلام وكنتُ أتوجّعُ إذا خفَّتْ عذاباتي وأردد على الدوام "يا يسوع حبيبي زدني         آلاماً وزدني حباً لكَ".

 

إكـــرام

     اقبل بكلِّ إيمانٍ وشكرٍ ما تُصاب به من أوجاع وآلام في مسيرةِ حياتِكَ الأرضية، فاحتمال الشدائد بصبرٍ وأناةٍ طريقٌ تقودُكَ إلى إدراكِ عظمة حب قلب يسوع وهو طريقُ السماء.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس كن تعزيتي في آلامي


اليوم الخامس والعشرون

تأمل في أن قلب يسوع ملجأ أمين في الحياة والممات

 

     حينما تطاردنا الأحزان والشدائد نفتش عن مكان آمن للتخلص من مصائبها ونسعى في كل المجالات لنلقى الراحة والطمأنينة والعزاء، فلا تنفع الأموال ولا تُجدي الحِيَل، فنقع فريسةً لليأسِ ومأكلاً للقنوط. نعم، إنها مواقف حَرِجة في حياتِنا وساعاتٌ رهيبة لأنَّ الرجاءَ غابَ عن نظرِنا، والإيمان خَمَدَت نيرانُهُ ولا مجال للمحبة من نشاط ولكن يسوع ينظر إلينا ويقول:"إنكم أفضل من عصافيرٍ كثيرة" (متى 31:10)، "فلا تخافوا مِمَّن يقتلونَ الجسد"، "ولكن أريكم مِمَّن تخافوا، خافوا من الذي يستطيع أنْ يُميتَ ويُلقي في جهنم" (متى 28:10). فالمجرّب يزدادُ همةً في تلك الساعة التي يرى فيها رجاؤنا قد خاب فيبدأ يصوّب سِهامَ الفشل بحيلٍ مختلفة وتجاربٍ دنيوية مِنْ أجلِ أنْ يُهلِكَ النفس… فإلى مَن نلتجئ في هذه الساعة الرهيبة ربما في داخِلِنا قبل أنْ يُبانَ للملأ ؟…

     نعم، إنَّ رجاءَنا هو في أنْ ننظرَ إلى حبِّ قلب يسوع، فقد سطّرت القديسة مرغريتا مريم قائلةً:"أتريدون أنْ تؤمِّنوا لنفوسِكم شرَّ الميتة السيئة وتضمنوا لها نعمةَ الثبات الأخيرة ؟ في قلب يسوع تجدون ملجأَكُم وخلاصَكم. ما أعذبَ الموتَ على المتعبدين لقلبِ مَن هو مزمع أنْ يلاقينا"… نعم، إنه كلامٌ شهيٌّ يجعلنا أنْ نرجعَ بفكرِنا إلى الماضي وربما الأثيم لنجدِّدَ رجاءنا رغم فشلِنا فهو الذي قال للزانية "مغفورةٌ لكِ خطاياكِ" (لو 48:7) "اذهبي ولا تخطئي" (يو 11:8)، هو الذي غفر للابن الضال (لو 19:15) وغفر للمجدلية وغفر للصِّ اليمين ووعدَه بالفردوس الأبدي (لو 43:23). فرحمةُ المسيح في أنْ يكونَ ملجأً لكلِّ مَنْ يدعوه، لا تنتهي، وكلمتُهُ هي دعوةٌ أكيدة لتجديد هذا الرجاء بالملجأ الأمين، إنْ كان في الحياة أو في الممات، وفيما نكون في هذا الملجأ نجد أنَّ الحياةَ ما زالت مُنعِشةً للقلوب ومنيرة للعقول لأنَّ ربَّ الملجأ هذا هو قلب يسوع الأقدس.

 

خبـــر

     مارت روبان أعطت حياتَها لله بأكملِها إذْ عرَفَت إنَّه الملجأ الأمين في الحياة كما في الممات. ومنذ نعومةِ أظفارِها أحبّت الله والقريب فكانت تزرعُ علاماتِ الحب الإلهي عبر قلبِه الأقدس بين المتألمين وكانت تقول دائماً "إنَّ الحبَّ وحدَهُ يجذبُني، وإنَّ كلَّ حياةٍ مسيحية هي قداسٌ، وكلَّ نفسٍ مسيحية في هذا العالم هي قربانةٌ. فمع يسوع يكون القلبُ حباً وتكون التضحيةُ فداءً لخلاص الجميع"…

     ولِدَت مارت روبان  في 13 آذار عام 1902 في قرية تدعى شاتو نيف في جنوب شرقي فرنسا وكانت منذ صغرها تعلِّق صليباً صغيراً في عنقِها، إذ كانت تقول دائماً "أنا مستعدّة أنْ أعلِّقَ نفسي عليه لأن به تكون الحياة"… امتازت منذ صغرِها بذاكرةٍ مرهَفة ولما بلغت من العمرِ عشرينَه وقع أحد الأيام نظرُها على هذه الجملة "لماذا تبحثين عن الراحة وقد خُلِقتِ للكفاح ؟". وقد كتبت في تشرين الأول 1925 نشيدَ استسلامِها لمشيئةِ الله: يا إلهَ نفسي، يا مَن هو الشمسُ الإلهية، فيكَ أجدُ ملجأي، وفيكَ وحدَكَ أريدُ أنْ أعيشَ وأموت" وأيضاً: إنني لم أعُدْ سوى شيء صغير بين يدي الله وسأبقى هكذا حتى الممات.. كلُّ ما يأتينا من الله هو صالح…

     وهكذا أصبحت مشلولةً من رأسِها حتى قدميها وأصبحت منذ عام 1928 لا تستطيع أنْ تأكلَ ولا أنْ تشرَبَ إذ ظلت إحدى وخمسين سنة لا تَذوق شيئاً إلاّ القربان المقدس فقط ومعه تدخل في انخطاف وتُنقَل من الحياةِ إلى الموت. وكانت تقول: معكَ وفيكَ وبكَ يا رب إنني أفنى تماماً في الأتونِ المستَعِر من قلبِكَ الإلهي… نعم، هذه كانت رسالتُها تعبّداً للقلب الإلهي وتسبيحاً لحياة الألم. توفيت مارت روبان في 6/2/1981.

 

إكـــرام

     باطلاً تجعل من الدنيا ملاذ أمان لنا، فالدنيا زائلة مع نهايتِنا الجسدية ولكن علينا من اليوم أنْ نربحَ ملجأً أكيداً في السماء… إنَّ قلبَ يسوع يدعوكَ ويقدم لكَ حبَّ قلبِهِ ملجأً أميناً لكَ في الحياة كما سيكون ذلك بعد الممات.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس كن ملجأي الأمين


اليوم السادس والعشرون

تأمل في بركات قلب يسوع الوافرة

 

     من المعروف أنَّ ما تخلِّفَه الحروب هو دمارٌ ومآسٍ وخراب، وإذا ما سَكَنَت هذه يبدأ الناس بإعمارِ ما هُدِمَ وإنقاذ ما يُمكن إنقاذُه في جمع القوى وضمّ الهِمَم وإعادة الحياة إلى ما كانت. ولكن ذلك لن يكون إلا إنْ كان بقوَّةِ الإيمان وبمعونةِ الفكر والعقل بأنَّ السلام سيد الحياة وما على الإنسان إلا أنْ يمتلئ حباً ليقومَ بمهامِ البناء والإعمار. وهكذا الأمرُ مع السماء فهي تكشف لنا إنَّ الله محبة وحبُّه يجعل الإنسان يتعبّد إلى ربِّهِ فكان الفداء. وهاهو ذا قلبُ يسوع يَعِدُ للمتعبدين له بالنِعَمِ الخاصة يفيضُها على أعمالِهِم في حياتِهم الروحية والزمنية "إذا ما ثبتوا في محبتِهِ" (يو5:15) "وبدونِهِ لا نستطيع أنْ نعملَ شيئاً" (يو5:15). فالاتحاد بيسوع والثبات فيه أساسُهما محبةٌ قوية تربط الإنسان بيسوع "كما يثبتُ الغصنُ في الكرمةِ لكي تأتي بثمارٍ وتدوم هذه الثمار" (يو5:15). من هنا نُدرِكُ جليّاً ما يمنحُه قلبُ يسوع للمتعبدين له إذ تكون حياتُهم بكلّيتِها ليسوع ويكونُ لهم مَعيناً وفيضَ البركات… فلنلتمس من قلبِ يسوع كل ما نحتاجُ إليه مِنَ النِعَم لمسيرةِ حياتِنا الأرضية ولتقديسِها في المحبة والخدمة والعطاء "مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا".

 

خبـــر

     جان براون الذي مات عام 1859 رثى لشقاء اخوتِهِ العبيد في وطنِهِ، فتذرَّعَ بكلِّ الوسائل لتحريرِهِم وظلَّ أعواماً عديدة يقاوم أربابَهم ثمَّ حثَّهم على حملِ السلاح من أجلِ الحرية فحُكِمَ عليه بالإعدامِ شنقاً. وأدّى موتُهُ إلى نشوبِ حربٍ أهلية دامت أربع سنوات من 1861-1865 بين الولايات الشمالية التي تنادي بإلغاء العبودية وبين الجنوبية المُصِرَّة على إبقائِها وانتهت الحرب بانتصار الحرية وأصبح مئاتُ الآلاف من العبيد أحراراً وراجتْ بينهم أغنيةٌ كانوا يُنشِدونَ فيها "إلى الأمام، فإنَّ روحَ براون تنادينا".

 

إكـــرام

     إنَّ قلبَ يسوع ينادينا من خلالِ ضِيقاتِنا ليمنَحَنا النِعَمَ لنعيشَ إيمانَنا المسيحي ونُعلن أنَّه القلبُ الذي أحبَّنا فكان لنا موهبةَ الخلاص.

  

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس هَبْ لنا ما نحتاجُ إليه مِنَ النِعَم


اليوم السابع والعشرون

تأمل في أن قلب يسوع رحيم تجاه الخطأة

 

     إننا لا نجدُ بين وعود قلب يسوع وعداً يتجلّى فيه كُنْهُ هذا القلب ومقاصدُه الإلهية أكثرَ صراحةً من الوعدِ السادس وفحواه "يجدُ الخطأة في قلبي ينبوعَ الرحمةِ الفيّاض". نعم، إنَّ قلبَ يسوع مصدرٌ تتدفَّقُ منه          الرحمةُ على الخطأة إذ لا يبتغي سوى أنْ يُريَنا عظمة حبِّه وجُودِهِ نحو أبناء البشر، فقد قال داود النبي:"إنَّ الله غضبُهُ ساعة وأما رحمتُهُ فهي إلى الأبد" وغَمْرُهُ لنا برحمتِهِ هو دعوتُنا إلى التوبة والتي تفتحُ لنا الطريقَ المؤدية إلى الملكوت. فقد قالت القديسة مرغريتا مريم:"لقد حدّثني المعلمُ الإلهي عن رغبتِهِ الحارة في أنْ يعرِفَه البشر ويحبُّوه ويُكْرِموه ليبعدَهم عن طريقِ الهلاك. فهو يَفيضُ غزيرَ مراحمِهِ من أجلِ نفوس البشر". وقالت أيضاً:"فقد أراني الرب عبادةَ قلبِِ يسوع الأقدس مثل شجرةٍ جميلة حاملة ثماراً يانعة ويريدُ الربُّ يسوع أنْ تُوزَّعَ هذه الثمار على جميع الذين يرغبون في أنْ يأكُلوا منها لأنه يريد أنْ يجدِّدَ حياةَ الخطأة بالتوبة". والنبي داود يقول    في المزمور:"امدحوا الربَّ يا جميعَ الشعوب لأنَّ رحمتَهُ قد عَظُمَتْ علينا وصِدقُ الرب يدوم إلى الأبد" (مز 116-1-2). إنها دعوة لنا جميعاً لكي نجدِّدَ رجاءَ حياتِنا بتوبةٍ حقيقيةٍ تقرِّبُنا من المحب الذي أعطانا دمَه مشرباً وجسدَه مأكلاً ونِعَمَه رحمةً وغمرنا بحبِّه وثقتِهِ، وما جنبُهُ المفتوح على الصليب إلا علامةٌ أكيدة لحبِّه لنا ولمغفرتِهِ لخطايانا ولمنحِهِ نِعَماً وخاصةً حينما نبتعد عنه لنرجِعَ إليه تائبين.

 

خبـــر

     يُحكى عن القديس بولان أسقف مدينة نول بفرنسا أنّ فقيراً جاء يستعطي منه إحساناً، فلاحظ القديس أنَّ إحدى يَدَي المتسوّل يابسة فاستفسر عن السبب فأجابه الفقير بنبرةٍ يائسة:"لقد كنتُ وحيدَ والدتي الأرملة ولم أكن مطيعاً لها وكنتُ ألهو بحريةٍ كاملة، ففي يوم طلبتُ منها أنْ تعطيَني كلَّ ما تملُك من مالٍ فَرَفَضَت، فغضِبتُ وضربتُها فسقَطَتْ ميتةً وبعد أنْ أودَعْتُ جثمانَها القبر قصدتُ الكنيسة في اليوم التالي لأصلي وأتناول القربان المقدس ولكني وجدتُ في نهاية القداس أن يَدِي قد يَبِسَتْ، وسكتُّ. ومنذ ذلك اليوم أحملُ يدي المشلولة هذه وربما وجَدْتُهُ عقاباً إلهياً". فتأثَّر القديسُ بولان عند سماعِهِ هذه القصة فقال له:"إنَّ لقلبِ يسوع الحنان والرأفة ما يَكفِلُ لكَ المغفرة، فاعتَرِفْ نادماً بخطيئتِكَ مكفِّراً عمّا اقترفتَ"… ويقال إنَّ يدَه المشلولة عادت سالمة بعد أيامٍ من توبتِهِ الحقيقية.

 

إكـــرام

     لا ملجأ أمين مثلَ قلب يسوع، فهو الرحمة والحنان والتعزية، فلا تنسَ أنْ تجعلَ نفسَكَ في حمايتِهِ وادعُ آخرين إلى الالتجاء إلى قلبِ يسوع وقتَ الشدة والضيق فهو نِعْمَ الحمايةِ الأكيدة.

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع احفظني من مكائدِ الشرير


اليوم الثامن والعشرون

تأمل في أن قلب يسوع واهب حرارة التقوى للنفوس الفاترة

 

     إنَّ مرآةَ النَفْسِ البهيّة تكشفُ عظمةَ الخالق في الجسد الذي تسكُنُهُ فيه، فباتحاد النفس بالجسد يزهو الإنسان بالصفاتِ التي وهبها إياه الله يومَ ولادتِهِ، فإذا ما كان الجسمُ قوياً وبهياً يكون بصحةٍ وعافية، وكذلك إذا كانتِ النفسُ تحيا في النعمةِ والقداسة تكون في حالةِ حضورٍ دائمٍ لله وطالما يكون التآلف بين النفس والجسد تكون الحياة في رسالةٍ سماوية وإذا ما مَرِضَ أحدُ الاثنين فلابدَّ من علاجٍ شافٍ، وإذا ما فَتَرَتْ حرارةُ الإيمان فلابدَّ من إيقادِها بتقوى وروحِ صلاة، وفي ذلك أنجعُ علاج. فقلبُ يسوع وعد النفوسَ الفاترة أنْ يُلهِبَها بحرارةِ التقوى إذا ما رَجَتْهُ وطلَبَتْ إليه فهو الذي قال:"إنَّ النفوسَ الفاترة تحصلُ على الحرارة"… وقد يتساءل البعض: وعلامَ ترتكزُ عبادةَ قلب يسوع الأقدس ؟ وكيف تَمُدُّ الإنسانَ بالحرارةِ والنورِ ؟ فمن المؤكد أنَّ الجوابَ: إنَّ ذلك يرتكزُ على التوبةِ والندامة الصادقة بتواضعٍ واقعي مع العزم الثابت على عيش الحياة المسيحية كما رسمها لنا الإنجيل المقدس "لأنَّ كلَّ مَن يسمع ويعمل يُشبِهُ رَجُلاً بنى بيتَهُ على الصخر"(متى 24:7) وما صخرةُ الإنسان إلاّ الله وقد عَرَفنا الله بالمسيح يسوع الذي أحبَّنا فأعطانا حياتَه حباً بنا وما علامةُ الحب إلا عطاءُ القلب الإلهي الذي طلب منّا السير على نهجِهِ في المحبة وفي الطريق القويمة ضمن رسالةِ الحياة.

 

خبـــر

     كلُّنا نعرفُ حياةَ القديس فرنسيس الأسيزي. وقد جاء في تاريخ رهبانيتِهِ أنَّ رجلاً غنياً من أهلِ الحَسَبِ والنسب ترهّبَ بعد تعوّدِهِ على حياةِ الراحة والرفاهية، مما جعله لا يستطيع مواصلة مسيرتِهِ الرهبانية وتحمّلِ عيشِ رسالتِها ودقّةِ قوانينِها فعَزمَ على تركِ الرهبانية. وبينما هو خارجٌ من الدير رأى في طريقِهِ مصلوباً فجثا أمامَه وبكلِّ خشوعٍ أخذ يصلّي، وفيما هو يصلّي دخل في انخطاف فظهر له يسوع وسأله:"ما سببُ خروجِكَ من الدير ؟" فأجاب بكلِّ صراحةٍ:"إنه لم يستطع احتمالَ صرامةِ القوانين وشدّةِ الحياة وقساوتِها". وللحال أظهر له يسوع جنبَه المطعون بالحربةِ وقال للراهب:"يا بنيّ ضعْ يدَكَ هنا فيسهَلُ عليكَ بل يَلذُّ لكَ كلَّ شيء مهما لاح لديكَ صعباً ومرّاً"… وعرف الراهب أنَّ الذي كلَّمَه كان يسوع فعاد إلى نفسِهِ ورَجعَ إلى رئيسِهِ وديرِهِ وقصَّ لهم ما حدث وعاش حياتَه راهباً تقياً متواضعاً.

 

إكـــرام

     إنَّ الربَّ يكلِّمُكَ في سفر الرؤيا "مِن حيثُ أنَّكَ فاتر، ولستَ بارداً ولا حاراً فأنا مزمعٌ أنْ أتقيّأكَ من فمي" (رؤ 16:3) فاعملْ من كلِّ قوَّتِكَ على أنْ تجعلَ صِلاكما اتحاداً وثيقاً بالله ولا تتركْ الأمور الدنيوية تجعل محبتَكَ مجازاةً لحبِّ القلب الفادي محبةً فاترة بل اتركْ كلَّ شيء واتبَعه (مر 21:10).

 

نافـــذة

يا قلبَ يسوع الأقدس أضرِمْ قلوبَنا بحرارةِ حبِّكَ


اليوم التاسع والعشرون

تأمل في أن قلب يسوع طريقُنا إلى الكمال

 

     الكمال، كلمةٌ تطرُقُ أحياناً مسامِعَنا ولكن سريعاً ما تعبر دون أيةِ نتيجة وما ذاك إلا لأننا لا نُدركُ جوهرَها ولا معناها الحقيقي، وأما الذين يشعرون بعمقِها الروحي فينسونَ كلَّ شيء ويسيرون إلى الأمام كما يقول الإنجيل: رجلٌ وجد لؤلؤةً في حقلٍ وذهب وباع كلَّ شيء واشترى ذلك الحقل (متى 45:13) وهذه يجب أنْ تكونَ رسالةُ جميع البشر لأنَّ الكمالَ ليس فقط في اجتراح العجائب والمعجزات، ولا في الأعمال الخارقة وأعمال البطولة، وهو ليس من باب الفضيلة والكماليات، بل إنه أمرٌ مقدَّسٌ وواجبٌ إذ يقول لنا يسوع "كونوا كاملين كما إنَّ أباكم السماوي هو كامل"(متى 48:5). فالكمال إذن يقوم على الاقتداء بالمسيح يسوع، بالسير في خطاه وعيش روحانية الدعوة والرسالة التي أُوكِلَتْ إلى كلِّ إنسان.

     نعم، إنَّ هذه الحياة طريقٌ طويلة، شاقةٌ وصعبة، ربما تظهر هكذا أمام أعيُنِنا، فلابدَّ من رفيقٍ معزٍّ ومُعين وقوي يثبِّتُ العزيمةَ في الرجاء الأكيد للسير نحو كمالِ القداسة بقوة الروح "قدِّسهم يا رب" (يو16:17). أجل فليس هناك مُعين ومعزّ أكثر من قلب يسوع الأقدس ولا شيء يُضرِمُ المحبةَ في القلوب مثل الإكرام لقلب يسوع، فقد صرّحت القديسة مرغريتا مريم قائلةً:"إنّ العبادةَ الصادقة لقلب يسوع ترفعُ النفسَ في مدةٍ وجيزة إلى أوجِ الكمال لأنها تقرِّبُنا إلى الله بل تحوِّلُنا إليه". وكما يقول القديس اغسطينوس:"إنْ أحبَبْنا الله صِرنا شبيهين به كالحديد في كورِ النار"… فلا شيء أصعب من السيرِ في طريقِ الكمال والقداسة، ولكن كم هو سهلٌ حيث يرافِقُنا قلبُ يسوع في هذه المسيرة ويبقى واحداً منا ونحبُّه ونصرخُ مع بولس الرسول "مَن يفصِلُنا عن محبةِ  المسيح: أشِدَّةٌ أمْ ضيقٌ أ